عالم الكلاب

نُشر في August 1, 2015

يصعب له تخيّل أنّ ما حلم به يحدث أمام ناظريه، فهو لم يعتد أن يرى أحلامه تتحقق. في الحلم، كان يجد نفسه ماشيًا على غير هدى في شارع من شوارع المدينة. الشارع فارغ من الناس، يحوي مباني متلاصقة على جانبيْه، ويغرق بالردم والنفايات، والكلاب تمشي جماعات قربه. كان يخاف من الكلاب، لدرجة أنه كان يسمع دقات قلبه تتعاظم كلما اقتربت منه، لكنّه يبقى يحافظ على مشيه البطيء محاذرًا إظهار خوفه. كان يفكر أنّ الإسراع سيلفت نظر الكلاب، وأنّها ستنقضّ عليه، وأن نجاته مرتبطة بنجاح إشعاره لها أنه متعايش معها. وهكذا كان يكتفي بالمضي قدمًا. لكنّ الكلاب كانت تتجاوزه كأنها لا تراه، ربّما لأنه دخيل على المكان، لأنه هنا وليس هنا، ولأنّ هذا هو عالم الكلاب. وهو عندما كان يتقدم، كان [&hellip

المزيد...

علامات لزمن مقبل

نُشر في July 2, 2015

“كتب لسهى: “أمّا حينما أناقض نفسي بين حديث وآخر فهذا لا يعني أنّني لا أؤمن بأقوالي، تمامًا كما وأنّه لا يشير إلى كوني ألعب أو أحتال أو أكذب، لكن هذه هي طبيعة الكلام نفسه -أيّ كلام. خصوصًا إذا حاول المرء أن يكون صادقًا دائمًا، إذ عليه حينئذ أن يسمح للتناقض الذي يملأ حياته بالدخول إلى قلب كلامه، وإلا فماذا تكون فائدة الكلام؟”  – شاي أسود / ربيع جابر – 1 – رفع هيثم كأسه في تلك الليلة  من العام 2011، وذكر فارقًا رآه أساسيًا بين الرواية والقصة القصيرة. أحاول أن أستعيد نظريته بتفاصيلها، لكنّ ذاكرتي لا تسعفني تمامًا. فأنا وقتها كنتُ قد شربتُ كأسين على معدة خاوية. لكن ما أذكره -وأرجو أن أكون صائبًا في استرجاع نظريته  بلا تشويه- يمكن [&hellip

المزيد...

هذه قصّة لتُكتَب

نُشر في September 6, 2014

تفكّر أنه يبنغي عليك أن تغضب في الزحمة، وأن تعبّر عن شعورك بأن تخبط المقود مثلًا، أو تُنزِل زجاج نافذتك لتشتم مَن عَبَر أمامك كأنه يمتلك الطريق. لكنك لا تفعل هذا، ولا ذاك. تكتفي بأن توقف السيارة، وتترك الدراجات النارية الصغيرة تتقافز حولك يمينًا ويسارًا، مسرعةً كأنها اكتشفت أنها موجودة للتوّ، أو كأنها تثبت للمرة الألف انتصارًا متميزًا وسط كوم السيارات المتشابهة المتراصة. ثمّ تنهمك بالتفتيش عن تفاصيل نافرة وسط كل هذه الفوضى التي لم تغب عنها سوى شهور كثيرة. يبدأ الأمر بالأصوات. ما بال أذُنيك قد صارتا أكثر حساسية لها؟ كأنّك تنضمّ لجماعة الآن، أو كأنك تنسحب منها؟ لا تذكر ما يقوله كتاب هيثم الورداني الرقيق “كيف تختفي”. لستَ متأكّدًا إن وَرَد تعاظم الانتباه في فصل الانضمام للجماعة أو [&hellip

المزيد...

وقت مستقطع من “السيستم”

نُشر في October 31, 2012

شمع العسل تعمل ليلاً في شركة يعمل موظفوها فيها نهاراً. الضوء ملقىً فقط فوق مكعبك، وكل ما حولك مظلم. ناطحات دبي في الخارج تتوهج بالشبابيك المضاءة كخلايا سداسية في قطع من شمع العسل. ولما تقف لتمشي في الأروقة تضيء لك مجسّات السقف الضوئية الممر أمامك، لمبة إثر أخرى. لا تنتظرها لتضيء، ولا تسرع قبل أن تشعر بك. إيقاعاكما متناغمان. إنه وهم الحداثة محتفياً بك في ليلة أخرى، تستمتع به إلى آخر لمبة تنطفئ وراءك، وأنت تبتعد. وقت مستقطع الكافيتريا. تقف أمام الماكينة. تضغط على «شوكو ميلك». الأضواء في الخارج تصل الزجاج ثم تتكسر. لا تعود متحققة. كأن المكان محظور عليها. شيء ما مرتبك. ليس فقط الضوء مختلف في الخارج عن الداخل. الصوت أيضاً. هل جربت الاستماع إلى صوت البرادات؟ صوت [&hellip

المزيد...

حزن ناس الفقاعات

نُشر في October 24, 2012

إنه العام 2112. بعد قرن من الحروب المتفرقة، بُنيَت المدينة البلّورية في بيروت. وُقّع اتفاق بين أطراف الصراع يتضمّن تحييد من لا يودّ المشاركة في الحرب المستمرّة، وإرسالهم إلى المدينة المنشأة، وساعد المجتمَع الدولي بكافة محاوره ماليًّا في إنشائها. جرى ذلك بسهولة غريبة، وتبعه توافق أطراف الصراع على الإشارة إلى المدينة الوليدة كإنجاز حضاري يعيد تلميع صورة البلد في عيون الخارج. قالوا ذلك، وواصلوا مناوشاتهم المسلّحة على حدود التجربة. حُدّد مكان المدينة البلّورية في الوسط القديم. فبعد تدميره المتكرر على مدار المئة عام الماضية، كشف الدمار عن الأبواب السبعة المطمورة التي لطالما قرأ عنها السكّان في كتب التاريخ. كانت رمزية البقعة فائضة بما يكفي ليوافق الجميع عليها مكانًا منتقىً للمدينة الجديدة. ظلّت القنوات التلفزيونية تواكب إنشاء المدينة حتى الافتتاح. تابع [&hellip

المزيد...

مقبرة جماعية

نُشر في July 7, 2012

«..وقد خطر لي السفر إلى بلاد الناس». وإذ وصلْت الى هناك، وقفْتُ في الساحة. كان كل شيء ساكناً وفارغاً. عرفت أنّ شيئاً ما ليس على ما يرام. لم تكن الساحة تنذر بأي حركة. حتى إنني كنتُ متأكداً أنّ الوقت متوقف. أخذتُ أفتّش عن ساعة عامة، وصرت أنتقل من ساحة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر. لكنّي لم أجد الساعة، وفكرت أن الغياب هذا غريب وغير مفهوم. إذ كيف يمكن أن تسكن المدينة من دون عقرب ساعة ثابت؟ وكيف يمكن أن يتوقف كل شيء من دون موعد مقبل أنتظره؟ وكيف أنتظر تغيّر الثبات من دون أن أكون متيقّناً أن الوقت سيمشي لاحقاً؟ زاد من شكّي هذا أن لون النهار كان غير، حتى إني تحفّظت على وصفه بالنهار. ولم يكن ليلاً أيضاً. [&hellip

المزيد...

حفلة إرغام

نُشر في June 13, 2012

1 ـ «ساراوند سيستم» جعلتُ أنظر إلى المشهد من الشرفة. كانت مقدمة السيارة قد تهشّمت بالكامل، وسيارات الإسعاف والشرطة تملأ المكان. تجمّع خلقٌ كثيرون. بعضهم كان يساعد واكتفى آخرون بالتفرج. لكنَّ شيئاً بان غريباً في كل ذلك. لم أستطع تحديده في البداية، ثم ما لبثَتْ الملاحظة أن صعقَتني. كانت الموسيقى تصدح بصوت عالٍ من السيارة المهشّمة. جُرِح من جُرِح ومات من مات فيها، وعاش الراديو صامداً. هذا «ساراوند سيستم» لا يموت، فكّرت وحضن كفّاي كوب القهوة الساخن أكثر. عاجل*: «وضعْتُ  دماً على وجهي ليظنوا أني متّ». 2- أغمضَتْ عينيَّ  كان عمري أشهراً، ومرّ والداي بسيارتهما بالحاجز الإسرائيلي على طريق صوفر. أوقفهما أحد الجنود الإسرائيليين. لا أذكر بالطبع ما الذي حدث، لكني أحفظ من قصة أمي التي تكررها على مسمعي دائماً [&hellip

المزيد...

أثرُ الشيءِ في غَيره

نُشر في June 6, 2012

تعالوا نُشَخْصِن الأمور كثيراً. عندما نظرتُ إلى صورة باسل شحادة، تذكرتُ رواية «رالف رزق الله في المرآة» لربيع حابر. في الحياة، انتحر رالف قبالة الروشة. في الرواية، وعندما يعرف الراوي بالخبر، يتذكر أن رالف مرّ بجانبه مرّة في مدخل مبنى «النهار» من دون أن يتكلّما. ينظر الراوي إلى صوَره، يتحدث إلى زوجته، ويقرأ مقالاته التي نشرها في «ملحق النهار»، قبل أن تلفت نظره خاصةً مقالة شهيرة له عن الفريز. عندما نظرتُ إلى صورة باسل، تساءلتُ بدوري عن فاكهته المفضّلة. كنتُ أعرف أني لن أجد جوابي في أيّ من شهادات أصدقائه المكتوبة. لم أعثر إلا عليه يبتسم لي في الصورة، وطفا نَمَش وجهه على وجنتيْه وأنفه أكثر. النَمَش النَمَش هو أثر الشيء في غيره، والنَمَش خطوط النقوش من الوَشْي ونحوه، والنَمَش [&hellip

المزيد...

“الكرافات” والجُمْلة

نُشر في June 16, 2010

البارحة، صَحَوْتُ مثقلَة العينـَيْن. نَظَرْتُ إلى المرآة ورَميْتُ ماء كفَّيّ على وجهي. بعد قليل، سأتجه إلى خزانته. سأفتحها، وأتفرّس بما بقي فيها من ملابس. لطالما عشِقَ ربطات العنق الكلاسيكية. يذهب لمحل صديقه، يتعارك معه في السياسة، ثم «يُفلـّي» الرزمة الجديدة من ربطات العنق. بعدها، يستقبل الزبائن كصاحب أصيل للمحل: «تلك الكرافات جميلة. تليق بالأزرق الداكن. تلك شبابية، راحت أيامها. إسمع منّي. لا. دَعـْكَ من ربطات العنق أحاديـّة اللون، موضة آنية ستزول بعد شهر. أنظر. هذه رائعة. قرِّبها من ياقة قميصك. جميل. ستلبسها لعامين، بل لثلاثة. ستشتريها طبعاً. لا؟». يضحك صديقه ويدعوه أن يعمل معه، فيجيبه: «خليني هيك، بـِشْرَب قهوة، بـِتـْفَرَّج، وبـْساعِد بس». *** غداً أو بعد غدٍ، سأبتسِم. سأمسح ما بقيَ من ماءٍ على وجهي بالمنشفة. ولحظةَ أمرّ في الرواق، [&hellip

المزيد...