كانَ غدًا

نُشر في November 17, 2016

Share Button

نبذة
سلسلة حوادث غامضة ضجّت بها بيروت: عربات غاز تزامن ظهورها مع حوادث موت. قتلى في حوادث سير قيل إنهم قضوا بسكتات دماغية واختناقات. قطط نفقت بأعداد كبيرة. موت أطفال رضّع في المستشفيات. انفجارات وحروب. لكن في المقابل، الفنانات الشهيرات الثلاث: رايا وكنزي وأنيسا قرّرن وضع حدّ للخصومات المزمنة وحلق شعورهنّ دعمًا لحملة بعنوان: “ما تحلق لبلدك”…

وسط هذه الأحداث، ينهمك خالد بعلاقة جديدة مع ريم محاولًا التغلب على فشل زواجه بسهى، ويساعد جاره العجوز في البحث عن زوجته المفقودة، بينما سهى في لندن تحاول خوض رحلتها الخاصة.

كان غدًا على غودريدز.

يمكن شراء كانَ غدًا (النسخة الورقية) من موقع دار الساقي.

***

كُتِبَ  عن «كانَ غدًا» في الصحافة:

1- حسن نصّور في جريدة السفير (عدد  7 كانون الأول 2016): السرد كإنذار أخير

«كان غداً» للروائي اللبناني هلال شومان (مواليد 1982) هو إصداره الرابع. نتحدّث، هنا، عن تجربة في الكتابة صار يمكن للقارئ أن يرى إليها من وجه كونها مسارا «متصاعدا» ومن جهة الانتباه إلى سمات خاصة في السرد وفي تركيب الشخوص من ضمن المبنى الروائيّ العام على نحو يسمح بتقرير التفاوتات والفروق بين عمل وآخر. نقول إن إصدار شومان الثالث «ليمبو بيروت»(2013، تُرجم مؤخرا إلى الإنكليزية) هو عمل لا يمكن إغفال تأثيراته عند الحديث عن تجربة شومان ككلّ، لا سيما بعد قراءة نصّ شومان الرابع هذا. على أن تأثيرات الليمبو ليست ظاهرة على السطوح السردية كما أنها لا توحي للمتلقي بسمة الطغيان على مقاطع العمل الرابع بل يمكن القول إن حدوسات في المزاج السردي أو في ما يتصل بمصائر الشخوص تظل مشدودة، بقدرٍ، بعضها إلى بعض بين العملين.

في الشكل ينجز شومان هيكله السرديّ الجديد فيما يشبه الإقدام على مخاطرة. ونعني عدم تقسيم نصّه الطويل نسبيا (381 صفحة) إلى أقسام معنونةٍ ومنفصلة على نحو تام كما يحدث عادة. بل إن البناء الروائيّ بمجمله هو عبارة عن مقاطع بعناوين تتصل مباشرة بما يجري الكلام عنه. هذا التقسيم يراد له، بحدودٍ، أن يلائم المغزى العام من طرائق شومان المعروفة في بناء نبره السرديّ. نبر تستثمر فيه كميات كبيرة من الهوامش أو الحكائيات أو الأحداث المروية والمأخوذة من غير وسيلة، التي تبدو قبل استثمارها مطروحة على نحو عشوائيّ في خطاب المدينة الظاهر والباطن، إلى أن تجدَ نفسها توازي في النسيج السرديّ أو فيما تبثه الشخوص الرئيسة، على وتيرةٍ واحدة من الزخم في تفعيل النصّ.

ضمان السرد

يقيم صاحب نابوليتانا (2010) شخوصه وكأنها توحي بأنها تتوالد من هذه المقاطع السردية / الأخبار/ الأحداث. أو كأنها تخرج منها ومن ثم تتأسّس بالانفصال النسبيّ عنها لا عن مزاجاتها العامة. شخوص يبرع شومان في إفراغ محمولاتها النفسية سرديا وفي جعلها تتوزان في تصاعدها ضمن السرد نحو ما يفترض أن ترسو القصصُ عليه. وإلى ذلك فإنّ العنوان «كان غدا» يحيل على فكرة التلاعب بزمان الحدث، أو هو الماضي البئيس الذي سوف يظلّ يتكرر في المقبل من السنين إنما على نحو أكثر بؤسا كأننا ندور في حلقة مفرغة. إنه العنوان الذي يعكس أيضا قلق العلاقات اليومية / العاطفية التي تنهش شخوص شومان (خالد/ سهى) التي تبدو، في كلّ منها شخوصا، عالقة في دوامة حدث ذاتيّ من الماضي. حدث يعيد تشكيل أو التأثير الجذري في مسار الراهن الشخصيّ.

تحضر الحرب الأهلية اللبنانية في هذا العمل من خلال قصة ضرغام الذي يبحث عن زوجته التي فقدت خلال الحرب. على أن ثيمة الحرب، على شياعها واتصالها بمجمل السرد، تبدو جوهرية، لا من حضور فكرة الحرب الأهلية ذاتها بل من جهة أسلوب شومان في بناء شخصية ضرغام براهنيتها وغموضها وكيفية تدوير كلامها أمام الجار/ المهتم «خالد». شخصية وإن كانت في الظاهر تحيل على اليأس والعجز والسكون في مواجهة الحاضر المؤسَّس على ماض مؤلم، فإنها تحيل، على نحو كأنه «ثاقب»، وتحديدا بعد الطريقة التي تكشف فيها قصة جانيت المفقودة، على فكرة أن سردَ وحكيَ ضرغام هو حاجة ذاتية لا تنشدُ الكشف أو الوصول إلى مكان أو جواب محدّد بالضرورة، وتاليا فإن السرد والكلام وبناء المرويات وإحياءها بثراء هي خبرة وحاجة وعزاء نفسيّ بحد ذاته في مثل هذه الحال.

هياكل الكتابة

لا نعرف على وجه التحديد الآلية العامة في تأسيس شومان هياكله، كتابةً، وآلية أعماله التفصيلية لتدخيل وإنجاز الشخوص في أطرها. ولكن يتضح من هذا النمط في تأسيس المقاطع والدقة في الانتقال بين الشخوص أن أشغالا حثيثة ومتأنية تجري في ما خصّ بناء السياق النفسيّ/ السردي للشخوص. نتحدث، مثلا، عن أحداث غرائبية تجري في بيروت. أحداث متصلة بشكل أساسي بثيمة الموت. ولكن الموت في هذا النص ليس «الموت» الطبيعي التقليدي الذي لطالما أقامتنا في مزاجاته هذه المدينة. إنما هو موت غرائبيّ وكارثيّ يريد له شومان أن يحيل على مستويات من الحاضر أو من الماضي المتاخم للحاضر، لم تعد تجدي فيها مع هذه المدينة حتى الإدانة أو الرغبة بالإدانة. موت متوقَّع وغير متوقّع في آن مها كأنّ الواقع صار ميتا/ حيا وثريا على نحو خصوصيّ بمثل هذه الأحداث الغرائبيّة «الإنذاريّة» التي تذكرنا بأنماط غرائبية فائقة الدلالة في أحداث بعض الروايات المصرية الصادرة في السنين الأخيرة، («استخدام الحياة» لأحمد ناجي مثالا لا حصرا).

2- حسن داوود في جريدة القدس العربي (عدد  ٩ شباط ٢٠١٧): العيش على إيقاع ما يُنبئ بحدوث الكارثة*

بدا لي أن هلال شومان يوضح لنا أسلوبه في كتابة روايته الأخيرة، جاء ذلك في حوار احتوته منقطع عن مسار أحداثها، هكذا بمجرد رأي قاله سينمائي ما ردا على سؤال أتاه من صحافيّ ما: «كنت متأكدا أن النقل الكرونولوجي المعهود سيضعف القصة، لا بل قد يسطحها ويجعلها مجرّد قصة عادية أخرى. كنت أودّ أن أراها مبهمة، وأن أعرفها في الوقت نفسه (…) عليّ تمزيق البنية القصصية وجعلها أشلاء. عليّ تشظيتها بمشوّشات تدخل القصة وترحل. تبدو في غير مكانها لوهلة، ثم تبدو في مكانها الطبيعي مع تتابع القصة».

هذا ما رأيته منطبقا على ما كنت قرأته في صفحات الرواية الأربعين، حيث وضع هلال شومان تلك الفقرة. بدا كل شيء مختلطا في تلك الصفحات الأربعين، كأن شيئا منها لا يتصل بشيء مما يرافقه ويحيط به. وكان عليّ أن أنتظر إذنْ التِمامَ هذا الشتات في ما سيلي من الصفحات، وأن أعرف أنه تفرّق هكذا عن قصد. لكنني، مصدّقا ما استخلصته من أن ما ورد على لسان السينمائي هو ما يحاول الروائي إسناده إلى روايته، رحت أتساءل كيف أنه كشف لنا ما كان ينبغي أن يظلّ خافيا، حيث بمجرّد أن نضع للخفاء تعريفا وقاعدة، نكون نفضحه. ثم أن ما يقترحه السينمائي، أو الروائي، أمر مسبوق في أعمال سينمائية وروائية يستحيل إحصاؤها. ليس الأمر كذلك إذن، رحت أقول، فربما لا يعدو ما تحتويه الصفحة 40 أن يكون شذرة من الشذرات المتداخلة مع ذلك التقطّع المتداخل في السرد.

وعلى غرار المقطع المذكور أعلاه، والمعنوان «صحيفة الكنبة: مقابلة» تمتلئ الرواية بتدخّلات من خارج السياق الروائي وحياة أبطاله. دائما ما تتخلّل أخبار من الجرائد، أو من التلفزيون، أو من الراديو، موقفة سيل الأحداث لتنقل ما يجري في البلد، محيط عيشهم الكبير. في هذه المقاطع الناقلة للانهيار التدريجي، لكن الحاسم، لكل ما يصنع هذا المحيط، نظن أن الأسلوب، وكذلك الوقائع الموصوفة، هي ذاتها التي تنقلها نشرات الأخبار وتعليقات الصحف والفلاشات السريعة. كل شيء ينهار منذرا، في الوقت نفسه، بانهيار أكبر: الكوارث العابرة وانقطاع وسائل العيش وسقوط الناس قتلى، وملاحظة ظواهر غير مفهومة إذ لم يحصل ما يماثلها في السابق. كل هذا تحمله التعليقات والأنباء فتُسمع وتُقرأ لكن كأنها تدوّم في الخلفية، حيث تستمر الحياة بغير اتصال مباشر معها. لكنها تتقدم إلى الأمام، وتصبح أكثر كثافة وأقرب فأقرب إلى الوصول مثل كارثة استغرق تجمعها وقتا قبل أن تنزل وتعمّ.

تشكّل هذه الأخبار، المنذرة على الدوام، خطّا من خطوط الرواية التي تتداخل مؤلّفةً ذلك التقطّع السردي المذكور عنه أعلاه. خط آخر، الذي هو الرواية بذاتها، أو جسم الرواية إن صحّ القول، ترسمه العلاقات المضطربة لخالد، العالق في غرام منتهٍ بسهى والباحث عن حياة جديدة بغرام جديد بطيءِ التقدّم مع ريم. ثم هناك «الكوبل» الآخر، ليليان وروجيه، المهدّد أصلا بافتراقهما الضروري، حيث يقيم هو، الزوج، في لندن، بينما الزوجة ما زالت مقيمة في بيروت، حيث تعمل، وتنتظر وضع مولودها.

الحياة بين هؤلاء بطيئة ومتردّدة، حيث الانتظار والتوق يجريان من دون رغبة كافية. وقد تصطدم بهم تلك الأخبار المنذرة التي يتلقونها من الجرائد ونشرات الأخبار، فتمسّهم مسّا قليلا، إذ سبق لهذه الأخبار أن كيّفتهم بسياقها جاعلة منهم ما صاروا إليه. في الرواية تبدو تلك الأخبار أشبه بغيوم سوداء تحلّق فوقهم متقاطرة غيمة بعد غيمة، ولا تكلّ عن ذلك، وهم لا يتوقعون انتهاءها.

ثم هناك العناوين (حيث جعل الروائي لكل مقطع من مقاطع روايته عنوانا، حتى بلغت العناوين المئات) الخاصة بالرجل العجوز ضرغام، المقيم على كرسي متنقل في منزله المجاور لمنزل خالد. هنا، بحياة ضرغام، نحن أمام خطّ آخر من خطوط الرواية نظل، فيما نحن نتقدّم بقراءة صفحاتها، باحثين عن الصلة الضرورية لوجود هذا الرجل بما تسرده الرواية من حياة أبطالها. كأن حضوره، هو ضرغام، طارئ على حياة الآخرين لكنه حاضر بينهم مع ذلك حضورا كاملا، بل أن حضوره ذاك، وأيضا على الرغم من حياديته عما يجمع بين الشخصيات الخمس، يعطي الرواية روائيَّتها. فهو الوحيد من بينهم الذي تتسلسل حياته في تاريخ، بينما هم مقتصر عيشهم، أو وصف عيشهم، على راهنهم. مع ضرغام ذاك يتسع زمن الرواية ليبدأ من أيام شبابه وعلاقته بالحرب وبعشقه الطويل لجانيت التي اختفت لسنوات تعدّت كثرتها المجال الزمني الفعلي للرواية. ذلك المقيم في الجوار، ضرغام المقعد، هل حضر في الرواية أكثر مما ينبغي له؟ هل تقدم إليها هكذا متخطّيا ما كان أُعدّ له من دور؟ هناك أيضا الفنانة كنزي التي ترك لها حيّز شاركتها فيه أحيانا فنانتا الثلاثي الاستعراضي. كنزي أيضا، بحضورها المتراوح بين فانتازيتها وحقيقيتها، بين كونها كاريكاتيرا متجمّعا من لامعقولية الأخبار الموصوفة أعلاه وواقعيتها في آن معا، تفتح لها الرواية بابا آخر، قليلا لكنه متسع بغناها كشخصية روائية.

أحسب أن ما وصفه هلال شومان جاريا على لسان السينمائي لم يكن خيارا، بل ضرورة حتّمها العالم المتسع وإصرار شخصياته، حتى تلك المفترض أن تكون ثانوية، على أن تتعدّى الحضور العابر. أما قراءتها فتحتاج إلى أن لا يتوقّف من أنهى قراءتها عن تقليب الاحتمالات والتفكير في ما قرأ.

*رواية «كان غدا» لهلال شومان صدرت عن دار الساقي في 380 صفحة 2017.

Comments