كانَ غدًا

نُشر في November 17, 2016

Share Button

نبذة
سلسلة حوادث غامضة ضجّت بها بيروت: عربات غاز تزامن ظهورها مع حوادث موت. قتلى في حوادث سير قيل إنهم قضوا بسكتات دماغية واختناقات. قطط نفقت بأعداد كبيرة. موت أطفال رضّع في المستشفيات. انفجارات وحروب. لكن في المقابل، الفنانات الشهيرات الثلاث: رايا وكنزي وأنيسا قرّرن وضع حدّ للخصومات المزمنة وحلق شعورهنّ دعمًا لحملة بعنوان: “ما تحلق لبلدك”…

وسط هذه الأحداث، ينهمك خالد بعلاقة جديدة مع ريم محاولًا التغلب على فشل زواجه بسهى، ويساعد جاره العجوز في البحث عن زوجته المفقودة، بينما سهى في لندن تحاول خوض رحلتها الخاصة.

كان غدًا على غودريدز.

يمكن شراء كانَ غدًا (النسخة الورقية) من موقع دار الساقي.

***

كُتِبَ  عن «كانَ غدًا» في الصحافة:

1- حسن نصّور في جريدة السفير (عدد  7 كانون الأول 2016): السرد كإنذار أخير

«كان غداً» للروائي اللبناني هلال شومان (مواليد 1982) هو إصداره الرابع. نتحدّث، هنا، عن تجربة في الكتابة صار يمكن للقارئ أن يرى إليها من وجه كونها مسارا «متصاعدا» ومن جهة الانتباه إلى سمات خاصة في السرد وفي تركيب الشخوص من ضمن المبنى الروائيّ العام على نحو يسمح بتقرير التفاوتات والفروق بين عمل وآخر. نقول إن إصدار شومان الثالث «ليمبو بيروت»(2013، تُرجم مؤخرا إلى الإنكليزية) هو عمل لا يمكن إغفال تأثيراته عند الحديث عن تجربة شومان ككلّ، لا سيما بعد قراءة نصّ شومان الرابع هذا. على أن تأثيرات الليمبو ليست ظاهرة على السطوح السردية كما أنها لا توحي للمتلقي بسمة الطغيان على مقاطع العمل الرابع بل يمكن القول إن حدوسات في المزاج السردي أو في ما يتصل بمصائر الشخوص تظل مشدودة، بقدرٍ، بعضها إلى بعض بين العملين.

في الشكل ينجز شومان هيكله السرديّ الجديد فيما يشبه الإقدام على مخاطرة. ونعني عدم تقسيم نصّه الطويل نسبيا (381 صفحة) إلى أقسام معنونةٍ ومنفصلة على نحو تام كما يحدث عادة. بل إن البناء الروائيّ بمجمله هو عبارة عن مقاطع بعناوين تتصل مباشرة بما يجري الكلام عنه. هذا التقسيم يراد له، بحدودٍ، أن يلائم المغزى العام من طرائق شومان المعروفة في بناء نبره السرديّ. نبر تستثمر فيه كميات كبيرة من الهوامش أو الحكائيات أو الأحداث المروية والمأخوذة من غير وسيلة، التي تبدو قبل استثمارها مطروحة على نحو عشوائيّ في خطاب المدينة الظاهر والباطن، إلى أن تجدَ نفسها توازي في النسيج السرديّ أو فيما تبثه الشخوص الرئيسة، على وتيرةٍ واحدة من الزخم في تفعيل النصّ.

ضمان السرد

يقيم صاحب نابوليتانا (2010) شخوصه وكأنها توحي بأنها تتوالد من هذه المقاطع السردية / الأخبار/ الأحداث. أو كأنها تخرج منها ومن ثم تتأسّس بالانفصال النسبيّ عنها لا عن مزاجاتها العامة. شخوص يبرع شومان في إفراغ محمولاتها النفسية سرديا وفي جعلها تتوزان في تصاعدها ضمن السرد نحو ما يفترض أن ترسو القصصُ عليه. وإلى ذلك فإنّ العنوان «كان غدا» يحيل على فكرة التلاعب بزمان الحدث، أو هو الماضي البئيس الذي سوف يظلّ يتكرر في المقبل من السنين إنما على نحو أكثر بؤسا كأننا ندور في حلقة مفرغة. إنه العنوان الذي يعكس أيضا قلق العلاقات اليومية / العاطفية التي تنهش شخوص شومان (خالد/ سهى) التي تبدو، في كلّ منها شخوصا، عالقة في دوامة حدث ذاتيّ من الماضي. حدث يعيد تشكيل أو التأثير الجذري في مسار الراهن الشخصيّ.

تحضر الحرب الأهلية اللبنانية في هذا العمل من خلال قصة ضرغام الذي يبحث عن زوجته التي فقدت خلال الحرب. على أن ثيمة الحرب، على شياعها واتصالها بمجمل السرد، تبدو جوهرية، لا من حضور فكرة الحرب الأهلية ذاتها بل من جهة أسلوب شومان في بناء شخصية ضرغام براهنيتها وغموضها وكيفية تدوير كلامها أمام الجار/ المهتم «خالد». شخصية وإن كانت في الظاهر تحيل على اليأس والعجز والسكون في مواجهة الحاضر المؤسَّس على ماض مؤلم، فإنها تحيل، على نحو كأنه «ثاقب»، وتحديدا بعد الطريقة التي تكشف فيها قصة جانيت المفقودة، على فكرة أن سردَ وحكيَ ضرغام هو حاجة ذاتية لا تنشدُ الكشف أو الوصول إلى مكان أو جواب محدّد بالضرورة، وتاليا فإن السرد والكلام وبناء المرويات وإحياءها بثراء هي خبرة وحاجة وعزاء نفسيّ بحد ذاته في مثل هذه الحال.

هياكل الكتابة

لا نعرف على وجه التحديد الآلية العامة في تأسيس شومان هياكله، كتابةً، وآلية أعماله التفصيلية لتدخيل وإنجاز الشخوص في أطرها. ولكن يتضح من هذا النمط في تأسيس المقاطع والدقة في الانتقال بين الشخوص أن أشغالا حثيثة ومتأنية تجري في ما خصّ بناء السياق النفسيّ/ السردي للشخوص. نتحدث، مثلا، عن أحداث غرائبية تجري في بيروت. أحداث متصلة بشكل أساسي بثيمة الموت. ولكن الموت في هذا النص ليس «الموت» الطبيعي التقليدي الذي لطالما أقامتنا في مزاجاته هذه المدينة. إنما هو موت غرائبيّ وكارثيّ يريد له شومان أن يحيل على مستويات من الحاضر أو من الماضي المتاخم للحاضر، لم تعد تجدي فيها مع هذه المدينة حتى الإدانة أو الرغبة بالإدانة. موت متوقَّع وغير متوقّع في آن مها كأنّ الواقع صار ميتا/ حيا وثريا على نحو خصوصيّ بمثل هذه الأحداث الغرائبيّة «الإنذاريّة» التي تذكرنا بأنماط غرائبية فائقة الدلالة في أحداث بعض الروايات المصرية الصادرة في السنين الأخيرة، («استخدام الحياة» لأحمد ناجي مثالا لا حصرا).

2- حسن داوود في جريدة القدس العربي (عدد  ٩ شباط ٢٠١٧): العيش على إيقاع ما يُنبئ بحدوث الكارثة*

بدا لي أن هلال شومان يوضح لنا أسلوبه في كتابة روايته الأخيرة، جاء ذلك في حوار احتوته منقطع عن مسار أحداثها، هكذا بمجرد رأي قاله سينمائي ما ردا على سؤال أتاه من صحافيّ ما: «كنت متأكدا أن النقل الكرونولوجي المعهود سيضعف القصة، لا بل قد يسطحها ويجعلها مجرّد قصة عادية أخرى. كنت أودّ أن أراها مبهمة، وأن أعرفها في الوقت نفسه (…) عليّ تمزيق البنية القصصية وجعلها أشلاء. عليّ تشظيتها بمشوّشات تدخل القصة وترحل. تبدو في غير مكانها لوهلة، ثم تبدو في مكانها الطبيعي مع تتابع القصة».

هذا ما رأيته منطبقا على ما كنت قرأته في صفحات الرواية الأربعين، حيث وضع هلال شومان تلك الفقرة. بدا كل شيء مختلطا في تلك الصفحات الأربعين، كأن شيئا منها لا يتصل بشيء مما يرافقه ويحيط به. وكان عليّ أن أنتظر إذنْ التِمامَ هذا الشتات في ما سيلي من الصفحات، وأن أعرف أنه تفرّق هكذا عن قصد. لكنني، مصدّقا ما استخلصته من أن ما ورد على لسان السينمائي هو ما يحاول الروائي إسناده إلى روايته، رحت أتساءل كيف أنه كشف لنا ما كان ينبغي أن يظلّ خافيا، حيث بمجرّد أن نضع للخفاء تعريفا وقاعدة، نكون نفضحه. ثم أن ما يقترحه السينمائي، أو الروائي، أمر مسبوق في أعمال سينمائية وروائية يستحيل إحصاؤها. ليس الأمر كذلك إذن، رحت أقول، فربما لا يعدو ما تحتويه الصفحة 40 أن يكون شذرة من الشذرات المتداخلة مع ذلك التقطّع المتداخل في السرد.

وعلى غرار المقطع المذكور أعلاه، والمعنوان «صحيفة الكنبة: مقابلة» تمتلئ الرواية بتدخّلات من خارج السياق الروائي وحياة أبطاله. دائما ما تتخلّل أخبار من الجرائد، أو من التلفزيون، أو من الراديو، موقفة سيل الأحداث لتنقل ما يجري في البلد، محيط عيشهم الكبير. في هذه المقاطع الناقلة للانهيار التدريجي، لكن الحاسم، لكل ما يصنع هذا المحيط، نظن أن الأسلوب، وكذلك الوقائع الموصوفة، هي ذاتها التي تنقلها نشرات الأخبار وتعليقات الصحف والفلاشات السريعة. كل شيء ينهار منذرا، في الوقت نفسه، بانهيار أكبر: الكوارث العابرة وانقطاع وسائل العيش وسقوط الناس قتلى، وملاحظة ظواهر غير مفهومة إذ لم يحصل ما يماثلها في السابق. كل هذا تحمله التعليقات والأنباء فتُسمع وتُقرأ لكن كأنها تدوّم في الخلفية، حيث تستمر الحياة بغير اتصال مباشر معها. لكنها تتقدم إلى الأمام، وتصبح أكثر كثافة وأقرب فأقرب إلى الوصول مثل كارثة استغرق تجمعها وقتا قبل أن تنزل وتعمّ.

تشكّل هذه الأخبار، المنذرة على الدوام، خطّا من خطوط الرواية التي تتداخل مؤلّفةً ذلك التقطّع السردي المذكور عنه أعلاه. خط آخر، الذي هو الرواية بذاتها، أو جسم الرواية إن صحّ القول، ترسمه العلاقات المضطربة لخالد، العالق في غرام منتهٍ بسهى والباحث عن حياة جديدة بغرام جديد بطيءِ التقدّم مع ريم. ثم هناك «الكوبل» الآخر، ليليان وروجيه، المهدّد أصلا بافتراقهما الضروري، حيث يقيم هو، الزوج، في لندن، بينما الزوجة ما زالت مقيمة في بيروت، حيث تعمل، وتنتظر وضع مولودها.

الحياة بين هؤلاء بطيئة ومتردّدة، حيث الانتظار والتوق يجريان من دون رغبة كافية. وقد تصطدم بهم تلك الأخبار المنذرة التي يتلقونها من الجرائد ونشرات الأخبار، فتمسّهم مسّا قليلا، إذ سبق لهذه الأخبار أن كيّفتهم بسياقها جاعلة منهم ما صاروا إليه. في الرواية تبدو تلك الأخبار أشبه بغيوم سوداء تحلّق فوقهم متقاطرة غيمة بعد غيمة، ولا تكلّ عن ذلك، وهم لا يتوقعون انتهاءها.

ثم هناك العناوين (حيث جعل الروائي لكل مقطع من مقاطع روايته عنوانا، حتى بلغت العناوين المئات) الخاصة بالرجل العجوز ضرغام، المقيم على كرسي متنقل في منزله المجاور لمنزل خالد. هنا، بحياة ضرغام، نحن أمام خطّ آخر من خطوط الرواية نظل، فيما نحن نتقدّم بقراءة صفحاتها، باحثين عن الصلة الضرورية لوجود هذا الرجل بما تسرده الرواية من حياة أبطالها. كأن حضوره، هو ضرغام، طارئ على حياة الآخرين لكنه حاضر بينهم مع ذلك حضورا كاملا، بل أن حضوره ذاك، وأيضا على الرغم من حياديته عما يجمع بين الشخصيات الخمس، يعطي الرواية روائيَّتها. فهو الوحيد من بينهم الذي تتسلسل حياته في تاريخ، بينما هم مقتصر عيشهم، أو وصف عيشهم، على راهنهم. مع ضرغام ذاك يتسع زمن الرواية ليبدأ من أيام شبابه وعلاقته بالحرب وبعشقه الطويل لجانيت التي اختفت لسنوات تعدّت كثرتها المجال الزمني الفعلي للرواية. ذلك المقيم في الجوار، ضرغام المقعد، هل حضر في الرواية أكثر مما ينبغي له؟ هل تقدم إليها هكذا متخطّيا ما كان أُعدّ له من دور؟ هناك أيضا الفنانة كنزي التي ترك لها حيّز شاركتها فيه أحيانا فنانتا الثلاثي الاستعراضي. كنزي أيضا، بحضورها المتراوح بين فانتازيتها وحقيقيتها، بين كونها كاريكاتيرا متجمّعا من لامعقولية الأخبار الموصوفة أعلاه وواقعيتها في آن معا، تفتح لها الرواية بابا آخر، قليلا لكنه متسع بغناها كشخصية روائية.

أحسب أن ما وصفه هلال شومان جاريا على لسان السينمائي لم يكن خيارا، بل ضرورة حتّمها العالم المتسع وإصرار شخصياته، حتى تلك المفترض أن تكون ثانوية، على أن تتعدّى الحضور العابر. أما قراءتها فتحتاج إلى أن لا يتوقّف من أنهى قراءتها عن تقليب الاحتمالات والتفكير في ما قرأ.

*رواية «كان غدا» لهلال شومان صدرت عن دار الساقي في 380 صفحة 2017.

3- كاتيا الطويل في جريدة الحياة (الجمعة، ٥ مايو/ أيار ٢٠١٧): الروائي هلال شومان ينظر الى شخصياته من فوق

«أرانا جميعنا نتقدّم. أنظر فأتعرّف على الجميع. الكلّ، بمن فيهم الموتى منّا، مَن مات ومن سيموت، يمشي. نخطو إلى الأمام، وتنبعث خلفنا انفجارات صغيرة.» (ص 133). تحوّل الكاتب اللبنانيّ هلال شومان تحوّلاً روائيّاً سرديّاً ملحوظاً بالمقارنة مع رواياته الأولى. فمَن يقرأ روايته الرابعة «كان هنا» (دار الساقي، 2017) يجد تقنيّات سرديّة متقنة ومستحدثة في بنية الرواية العربيّة المعاصرة. تمكّن شومان من القفز من أخبار منطقة الحمرا في روايته الثانية «نابوليتانا» إلى التلاعب بالزمان والمكان السرديّين وتقديم رواية من 380 صفحة تطفح بالتفتيت السرديّ والتقسيم المنهجيّ لتطوّر أحداث رواية تطفح بشخصيّات من أجيال وخلفيّات ومواصفات مختلفة. بيروت جديدة، قديمة يعرفها اللبنانيّون ويحفظون أخبارها غيباً. أخبار غريبة، غير طبيعيّة ولا مقبولة تمرّ في الرواية، كما في الواقع، بلا ردود فعل حاسمة.

تقنيّة المقاطع

تقوم رواية «كان غداً» على المقتطفات والمقاطع غير المترابطة. فقد تعمّد شومان في روايته أن يُدخل مجموعة شخصيّات في دوّامة سرد مفتّتة غير مرتبطة الأجزاء. ظاهريّاً. فما من سرد متسلسل أو كرونولوجي، ما من ترابط بين المقاطع، ما من روابط تمهّد لما سيأتي. قام السرد على المقتطفات والمقاطع السرديّة التي ينقل كلّ منها خبراً اعتباطيّاً من مكان مختلف من زاوية مختلفة من وجهة نظر مختلفة، لتجتمع هذه المقاطع بأفكارها ومشاهدها وأخبارها وتقدّم ما يشبه قصّة تحمل أحداثاً كرونولوجيّة. وتارة يكون المقتطف سرديّاً وصفيّاً مرتبطاً مباشرة بالشخصيّات وحيواتها، وطوراً يكون مأخوذاً من نشرة أخبار أو مقال في صحيفة أو خبر عن الراديو. ومع تراكم الأخبار والوصف والمشاهد، يروح القارئ ينسج في ذهنه شبكة العلاقات وتاريخ كلّ شخصيّة وماضيها. وكأنّ الكاتب يضع المعلومات أو الـ data بين يدي قارئه في شكل اعتباطيّ ويترك له حرّيّة أن يجمع الأفكار بمفرده ليركّب الرواية كما يرى.

يقارب شومان في سرده تقنيّة تصوير فيلم Vantage Point الأميركيّ (2008)، فهو قدّم القصّة إنّما من وجهة نظر مختلفة في كلّ مقطع. وكان على القارئ أن يحبس أنفاسه حتّى نصف الرواية ليبدأ بفهم الأحداث في شكل كرونولوجيّ واضح ومبرّر. وما ميّز المقاطع أنّها اعتمدت ضمير المتكلّم «أنا» في كلّ مرّة كان فيها السرد من وجهة نظر شخصيّة معيّنة، فورد في كلّ مقطع راوٍ متكلّم مختلف عمّن سبقه لتصبح كلّ شخصيّة بطلة وراوية وهامشيّة في الوقت نفسه. وأدّى اختلاف الرواة باختلاف المقاطع واختلاف وجهات النظر إلى منح القارئ نظرة كاملة شاملة للأحداث والمجريات.

تمكّن الكاتب من اتقان العودات إلى الوراء وتركيب القصص الواحدة منها فوق الأخرى مع تقنيّات التبئير السرديّ (la mise en abyme). فوقع القارئ على قصّة ضرغام وجانيت ومآسي الحرب الأهليّة اللبنانيّة داخل قصّة خالد وسُهى الزوجين المنفصلين، كما وقع على قصّة ريم ومديرها ألبير إلى جانب قصّة روجيه ولينا، وهي قصص يتطوّر كلّ منها على حدة كما لو أنّ كلّ واحدة منها قائمة بذاتها. ولم ينجُ المكان من هذه القفزات الروائيّة، فتارة يسرد الرواة أحداث الحرب اللبنانيّة في سوق الغرب، وطوراً ينزلون إلى الأشرفيّة، من دون أن ننسى رحلات لندن التي تلجأ إليها سهى هرباً من خالد والتي ينتقل إليها روجيه للدراسة. وممّا لا مفرّ من ملاحظته هو هذا الجوّ العبثيّ القاتم المسيطر على النصّ. فالأخبار المنقولة عن التلفاز أو الراديو أو الجرائد تنبئ بكوارث اجتماعيّة وإنسانيّة غير طبيعيّة وغير مبشّرة بأيّ خير من مناطق مختلفة. جثث تختفي، صراصير تظهر، قطط تموت بأعداد كبيرة، أناس يتنكّرون بأزياء حيوانات، تمساح يتربّص بالأهالي، بيروت الغربيّة، ساحة ساسين،… مئات المقالات المرعبة التي تمنح الرواية طابعاً هستيريّاً متخبّطاً بالعبثيّة والغرابة.

السرد «من الأعلى»

مواضيع كثيرة تلفت القارئ وتدفعه إلى التوقّف عندها، كمثل الأحلام وهواجس الماضي والحرب والوالدين. إنّما يبقى موضوع سرديّ روائيّ واحد أكثر وجوداً من غيره وهو موقع الكاتب. فكأنّ الرواة والشخصيّات تعلم أنّ الكاتب يكتبها من فوق وأن المشهد سيُرى من فوق. الكاتب والقارئ كلاهما فوق. خارج العلبة. تسرد الشخصيّات آخذة في الاعتبار هذا الموقف السرديّ الخارجي. ويلاحظ القارئ على مدار الرواية مسألة رؤية الأمور من الأعلى، وفي مواضع متعدّدة تخرج الشخصيّة من إطارها السرديّ لتنقل المشهد من فوق، من السقف أو السماء، وهذه الرؤية للأمور تحوّل الرواية إلى نوع من الماكيت التي يراقب الكاتب أحداثها من فوق من دون أن تغفل الشخصيّات عن وجوده. فيرد في مواضع متعدّدة جُمَل مثل: «النظر من الأعلى يبيّن حال الأشياء». (ص 108)، «النظر من الأعلى ينبئ بما سيحدث في الآتي من الأيّام. (…) كان يمكن لمن يرى كلّ شيء من الأعلى، ولا يعرف شيئاً ممّا حدث، أن يلمح التالي: في غرفة أولى، شاب يجلس على أرضيّة…» (ص 112)، «والسقف يبتسم. يبتلع الجُمل ويبتسم». (ص 205)؛ «كان الرائي فيه يُشرف على حالتنا هذه، ويتأمّلنا من الأعلى». (ص 349)؛…

لا بدّ من التوقّف في مرحلة أخيرة عند عنوان شومان، فعنوان روايته «كان غداً» اختيار رومنطيقيّ حزين يكمل عبثيّة الرواية وأحداثها ويسمو بها إلى عبثيّة إنسانيّة واقعيّة، فقد تمكّن الكاتب من أن يعلو بشخصيّاته ومقاطعه إلى أدبيّة جميلة تطرح أسئلة حول الإنسان ومصيره وعبثيّة كفاحه اليوميّ. وشومان الذي تأرجح بين سبعينات القرن العشرين والأعوام 2016 و2017، بالإضافة إلى إسباغه عنصر الغرابة والفانتاسم على واقع مفكّك وغير متماسك تمكّن من أن يمنح روايته نهاية أنيقة تليق بالمجهود السرديّ الذي قام به. فمثّلت هذه الرواية الرابعة للروائيّ هلال شومان إثباتاً لا لبس حوله على تطوّر أسلوب الكاتب الروائيّ وتماسك تقنيّاته مع تمرّسه في الكتابة فخرج شومان من فئة «الكاتب الشاب» التي كانت ملتصقة به على رغم رفضه لها ليصبح كاتباً متمرّساً متمكّناً من تقنيّاته.

4- نذير ملكاوي في موقع حبر(الثلاثاء 30 أيار 2017): البحث عن الحقيقة في متاهة «كان غدًا»

أصدرت دار الساقي بداية هذا العام رواية هلال شومان الأخيرة «كان غدًا». ليكون بهذا قد أصدر أربع روايات، هي على الترتيب: ما رواه النوم (دار ملامح – 2008)، نابوليتانا (دار الآداب ومحترف نجوى بركات – 2011)، ليمبو بيروت (دار التنوير – 2013).

تحكي «كان غدًا» أكثر من قصّة. قصص تتوازى وتتقاطع داخل جسد الرواية. تبدأ الرواية بانفصال «خالد» عن «سهى»، ومع تقدّم الأحداث، واستحالة عودة الاثنين لبعضهما، يتعرّف «خالد» على «ريم» صديقة «سهى» لتنشأ بينهما علاقة لا تتأطّر بإطارٍ ما على طول الرواية. وبين «خالد» و«سهى»، نتعرّف على صديقيهما المتزوّجين «لينا» و«روجيه». بالمقابل، نقرأ على امتداد الرواية، قصّة «ضرغام الصليبي»، جار «خالد» الذي يقصّ عليه قصّة اختفاء زوجته «جانيت الخوري»، ليتكفّل «خالد»، مستغلًا عمله بالصحافة، بمحاولة البحث عن «جانيت». وبين هاتين القصتين، عمد هلال شومان إلى كتابة قصاصات من كلّ حدب وصوب: مقدّمات نشرات إخبارية، برامج إذاعيّة، حوارات مُتلفزة، مقالات وأعمدة صحافيّة، رسائل واتساب، تنبؤات عرّافين، مقابلات، أخبار وفيّات، وغيرها الكثير. قصاصات تكسر تدفّق السرد، لتتحدث عن أشياء لا يمكن ربطها على الدوام مع سياق الأحداث، لكنّه يوردها على أيّة حال. كأنّه توماس وولف في فيلم Genius وهو يتحدّث عن روايته الجديدة: «إنّها عن أمريكا، كلّ أمريكا. إنّي أحاول القبض على كلّ شيء: كلّ مدينة، قرية، حجر، ورقة شجر، رجل، طفل، مزرعة، زهرة، نهر…إلخ».

تبدو رواية هلال شومان الجديدة كمتاهة، متاهة تنتظم فيها عددٌ هائلٌ من التفاصيل، التقنيات المستخدمة، الأزمنة الكثيرة، القصص المتداخلة والمفكّكة، وحتّى يمكنك أن تعثر على رواياته السابقة داخلها. كلّ شيء محكومٌ بأن يرتبط في وقت تتساءل إن كان يجب أن يكون فيه كذلك. تشتمّ رائحة «ليبمو بيروت» في مشهدة الحدث ذاته من وجهة نظر أكثر من شخصيّة، أو في الموت الموجود في خلفيّة الرواية ولا يقرب شخصيّاتها (إلى حين). ورائحة «نابوليتانا» في استخدام المواقع الغامضة («موكب الموت المدهش» في كان غدًا، و«مدونة جهاد» في نابوليتانا). لكن كلّ التفاصيل تنتظم داخل الرواية لتظهر لنا، بطريقة غريبة، كأنّها وحدة واحدة، كما لو أنّها لوحة لجاكسون بولوك: مضبوطة وناشزة في نفس اللحظة، لكنّها تخطف الأنفاس، ولا يمكن أن تخطئها عين الرائي/القارئ.

ربّما يتساءل من يقرأ الرواية: ماذا لو حذفنا كلّ تلك القصاصات، وأبقينا على قصّتي «خالد  وريم  وسهى»، وقصّة «ضرغام  وجانيت»؟ أو بدقّة أكبر: أين الرواية في «كان غدًا»؟ نجد في قصاصة معنونة بـ«صحيفة الكنبة: مقابلة»، وهي مقابلة مع مخرج سينمائيّ لا علاقة وثيقة له بالرواية إذ ينتهي دوره مع انتهاء القصاصة، التالي: «كنتُ أكيدًا أن النقل الكرونولوجي المعهود سيضعف القصّة، لا بل قد يسطحها ويجعلها مجرّد قصّة عادية أخرى. كنت أود أن أراها مبهمة، وأن أعرفها في الوقت نفسه. (…). عليّ تمزيق البنية القصصيّة وجعلها أشلاءً. عليّ تشظيتها بمشوشات تدخل القصة وترحل. تبدو في غير مكانها لوهلة، ثم تبدو في مكانها الطبيعي مع تتابع القصّة»1.

يُعلّق الروائي اللبناني حسن داوود في مقاله عن الرواية على هذا المقطع بالتالي: «لكنني، مصدّقا ما استخلصته من أن ما ورد على لسان السينمائي هو ما يحاول الروائي إسناده إلى روايته، رحت أتساءل كيف أنه كشف لنا ما كان ينبغي أن يظلّ خافيا، حيث بمجرّد أن نضع للخفاء تعريفا وقاعدة، نكون نفضحه». يبدو لي أنّه هنا تكمن لعبة هلال شومان، التي قامت عليها الرواية بأكملها. تحاول الرواية فيما أرى، أن تنقّب عن الحقيقة؛ حقيقة ما يجري في لبنان. بل وأكثر، تحاول، حين يعييها البحث، أن تخلق حقيقتها الخاصّة بها، حقيقة لا تتأتّى إلّا بالفضيحة، كأنّه بحاجة إلى تعرية صورة في ذهنه راكمت فوقها السلطة أوساخًا كثيرة، فبدأ أول ما بدأ (المقابلة موجودة ص40)، معطيًا الشرعيّة لنصّه، بتعرية طريقة كتابته. يغامر هلال شومان في فضح طريقته بالكتابة (قد نشير إلى جانبٍ من السخرية في الفعل، ففي نهاية الأمر، ما نجهد لاكتشافه، قاله لنا في بداية الرواية) في محاولة للإشارة إلى الصورة الأكبر، وكيف يجب أن يتعامل المرء معها «يندر أن يضطرّ الكاتب إلى فضح حقيقة كلّ ما فعل ويفكّر به، من أجل ضرورة أخرى غير الصورة، إلا إذا كان مظلومًا من سلطة واضحة. الكتابة حين تأخذ شكلًا فضائحيًا، تكون فيها الحقيقة غالبًا مقصودة لكن لا لذاتها، بل من أجل الصورة. كأنّ الكاتب يخدع القارئ ويحتال عليه بالحقيقة»2.

عودة للسؤال: هل يمكن محو كلّ القصاصات من الرواية؟ برأيي هذا السؤال لا معنى له، فهذه القصاصات، أكثر من كونها موجودة لأن الكاتب أراد لها ذلك، فهي تعمل مجتمعة على عرض خطابٍ مهمّ ومؤثر. خطاب ميتافيزيقي في أغلبه، يروّج لحوادث موتٍ غريبة يتواتر حدوثها في لبنان عامّة، بيروت خاصّة. ولا يتوقّف هذا الخطاب عن تثبيت هذه الصورة في أذهان الناس، بل إنّه خطاب مُسيّس يلقي الذنب على اللاجئين القادمين «من خلف الحدود»، مؤسّسًا لثنائيّة: اللبناني الجيّد – اللاجئ الشرير. المدهش في كلّ هذا أنّه ربّما يكون الشيء الوحيد الذي يجمع اللبنانيّون حولَهُ، وإن لم يتّفق الجميع مع فحواه. فنحن نسمع ونقرأ نفس الكلام في: راديو «ضرغام»، صحف «خالد»، تلفاز شقّة «سهى»، راديو وكلام «أبو بيتر» (سائق تاكسي يتكرر ظهوره في الرواية)، وأماكن أخرى كثيرة؛ إنّه في كلّ مكان، كأنّ هلال شومان يؤشر إلى الهُويّة التي تنظم اللبنانيّين أسفل مظلتها: الموت والخراب. والأسوأ، إنّ الضحايا يسلبون حقّهم في معرفة سبب موتهم، الكل يموت بلا سبب كما يؤشّر موقع «موكب الموت المدهش» الذي انتشر صيته في كلّ لبنان داخل الرواية. وهكذا فإنّ حذف القصاصات ستعمل على إخلال توازن الرواية، وعلى طريقة أورهان باموق، فإنّ الحذف سينقل هلال شومان من خانة «الروائي الحسّاس» الذي يدرس كلّ تفصيلة ويعاود النظر في الشكل الذي خرجت عليه روايته، إلى خانة «الروائي الساذج» الذي لا يفكّر كثيرًا في خياراته، ويعتمد على الموهبة وحدها ضابطًا للكتابة والمنتج النهائي.

يستعمل هلال شومان في كلّ هذا لغة تتخفّف من البلاغة، وهذا أمرٌ تكرّرت ملاحظتي إياه في رواياته السابقة. لغته تسرد أكثر ممّا تصف، لا تتأخّر لحظة حضور المعنى فيها عن لحظة حضور اللفظ «كلّما ابتعد النظر، تصير الأرض وباطنها سواء. تضمر التفاصيل حتّى تختفي تمامًا، أو تكاد»3. ما أثارني حقيقة ليس هذا الأمر تحديدًا، بل مقالٌ قديم للكاتب بعنوان: كيف تكتب رواية معادية للاقتباس؟ في هذا المقال يوضّح شومان رفضه أن يتمّ الاقتباس من رواياته: «وكلّما اقتبس أحد من روايات سابقة لي، عزمت أكثر ووثقت أكثر بضرورة كتابة تلك الرواية الخالصة، المتحررة من الجملة المكتَشفة الجميلة، يومًا ما». ثمّة هنا محاولة للبحث عن أمرٍ حقيقيّ، عن لغة خالصة لا يمكن لأحدٍ أن يدّعيها لنفسه، ولعلّ هذه الرغبة تعدّ امتدادًا لمحاولة الرواية فضح خطاب السلطة، بلغةٍ عارية بدورها من البلاغة. فالبلاغة قد تكون في هذه الحالة، وسيلةً للرياء والممالأة، أي أداة سلطويّة خالصة.

إن قال سعيد عقل إنّ «أجمل التاريخ كان غدًا» فإنّ هلال شومان لا ينزلق ليقول مثله كان غدًا جميلًا، فلو اعتبرنا أنّ الحالة المقابلة للخراب والموت الذي يعمّ بيروت، هي البحث عن شيء حقيقي فيها، أيّ شيء؛ صخرة الروشة مثلًا. فإنّ الرواية لا تنزلق أبدًا للوهم، فصخرة الروشة «هي المعلم الطبيعي الوحيد. لكنّ المفارقة في أنّها تقع في البحر، منفصلة عن داخل المدينة، تنظر إليها»4. بيروت مدينة ملأى بالقمامة والموت، لذا بدأت الرواية بموتٍ مجازيّ: انتهاء زواج «خالد» و«سهى». وحين انتهت، انتهت بموتٍ حقيقيّ حين مات «روجيه» في لندن وعاد ليُدفنَ في بيروت، بلا سببٍ للوفاة أيضًا. كلّ شيءٍ في بيروت يؤول إلى فراغ موحش، لا يقدّم الإجابات، فقط يستهلك الأسئلة ويبصقها.

مشكلة الرواية الوحيدة في نظري كانت في تسرّع ختم الرواية. ثمّة إمكانيّة لإطالة أمد الأحداث دون الانصراف إلى الثرثرة والمطّ. كلّ الأحداث جرت ببطء يلائمها، عدا الخاتمة، كانت سريعة، وتترك فراغًا، أو كما قال الكاتب على لسان «ضرغام»  «شيء ما في النهاية يبدو ناتئًا. أم إنني أشعر بذلك النتوء لأنّي راوي الحكاية؟ من ينهي القصص؟ من يرويها أم من يقرأها ويستمع إليها؟»5.

ـــــــــــــ

1- ص40 من «كان غدًا».
2- ص153 – إرادة الكتابة – بلقيس الكركي.
3- ص112 من «كان غدًا».
4- ص140 من «كان غدًا».
5- ص352 من «كان غدًا».

Comments