تعالوا نُشَخْصِن الأمور كثيراً.
عندما نظرتُ إلى صورة باسل شحادة، تذكرتُ رواية “رالف رزق الله في المرآة” لربيع حابر. في الحياة، انتحر رالف قبالة الروشة. في الرواية، وعندما يعرف الراوي بالخبر، يتذكر أن رالف مرّ بجانبه مرّة في مدخل مبنى “النهار” من دون أن يتكلّما. ينظر الراوي إلى صوَره، يتحدث إلى زوجته، ويقرأ مقالاته التي نشرها في “ملحق النهار”، قبل أن تلفت نظره خاصةً مقالة شهيرة له عن الفريز.
عندما نظرتُ إلى صورة باسل، تساءلتُ بدوري عن فاكهته المفضّلة. كنتُ أعرف أني لن أجد جوابي في أيّ من شهادات أصدقائه المكتوبة. لم أعثر إلا عليه يبتسم لي في الصورة، وطفا نَمَش وجهه على وجنتيْه وأنفه أكثر.

 النَمَش

 النَمَش هو أثر الشيء في غيره، والنَمَش خطوط النقوش من الوَشْي ونحوه، والنَمَش بقعٌ على جلد الوجه تخالف لونه وأكثر ما يكون في الشُّقْر، والنَمَش – أخيراً – هو بياضٌ في أصول الأظفار يذهب ويعود.

 “لينين” vs “غوغل”

 لباسل صورتان قرب دراجة نارية. واحدة تظهره جالساً على الإسفلت مسنداً ظهره إليها، وأخرى بجانبها تظهره قافزاً فاتحاً ساعديه في نور المغيب الذي استحالَ ظلالاً عليه. لِمَ كان يفتح ساعديه؟ ولِمَ تلازمه الدرّاجة في الصورتين؟
للدراجة حكاية. كنت أكيداً. البحث أوصلني إلى بورتريه لرنا زيد تلاحق فيه رحلة باسل على دراجته من دمشق إلى نيودلهي. “غوغل مابس” نفسه يضيع عندما تضغط له على زر “الدراجة” وتكتب له من “سوريا” إلى “الهند”. يقول إنه لا يستطيع أن يحسب الاتجاهات. باسل إذاً كان يعرف أكثر من “غوغل مابس”؟ أم إنّ دراجته النارية (سمّاها “لينين”) عرفت أكثر منه ومن “غوغل”؟
من يعرف أكثر عن “لينين” غير باسل؟ من يجيب عن أسئلة من نوع: هل كان يرمي النكات عنها وحولها؟ هل لبطها يوماً ما لأنها رفضت أن تعمل؟ هل تركها مرّة على قارعة طريق، وشتمها ومشى قليلاً ثم توقف والتفت، ثم عاد يمشّيها ويمشي جنبها؟ هل نَجَتْ “لينين” من تلك الرحلة الطويلة؟ وما الذي حصل لها بعد موته؟ أخذها أحد غيره؟ تهشّمت، أم إنها لا تزال تقبع في كاراج بيت العائلة؟

 كانَ يوم عطلة

 في فيلم إسباني، ولمّا تعرف بموت زوجها، تقوم الأم بأخذ ولديها إلى المركز التجاري. توصلهما إلى غرفة اللعب وتجلس صامتةً تراقبهما يلعبان. بعد أعوام، عندما يسألها أحد الولدين مستهجناً عن سبب ذلك الفعل يوم موت أبيه، تجيبه الأم ببساطة: “لقد كان يوم عطلة”.
الأرجح أن باسل كان يحب العُطَل برغم مكابرته بغير ذلك في فيلمه القصير المسمّى “هدية صبيحة سبت”، والمقتبس من حكاية ولد نجا في حرب تموز. في الفيلم، يركّز باسل على طريقة حركة جسم الولد في السرير: كيف يضم اللحاف، كيف يحرك أصابع قدميه، كيف يتقلب من جنب إلى آخر، كيف يغيّر من إغماضة عينيه. صوّر باسل الولد بالتجزئة. على ماذا كان يفتش؟ على هذه الحركات الصغيرة التي نقوم بها بلا عمد قبل الانفجار؟
“بتعرفو شو؟ أنا بكره العطلة”، ينهي باسل فيلمه القصير على لسان الولد وهو ينظر إلى نار الحرب تقتحم بيته.

 كوب الصورة

 في الصورة، يحني باسل رأسه إلى اليمين أكثر، يبتسم ابتسامة متحفظة مطلوبة لصورة، وتتشكل تجاعيد حول فمه. عينه اليسرى تصير أضيق من عينه اليمنى، بما يلائم انحناءة رأسه. لعلها الشمس قبالته تجبره على هذا؟ ممكن، لكنَّ هذا تفصيل غير مهم. الأهم هو كيف ترفع يده اليسرى كوب القهوة وتقدّمه للمصوّر، أو ربما لكلّ من سيرى صورته على الشاشة.. بعد موته.
ما في الكوب؟ أي شراب؟

 النهاية الخاطئة

 في الرواية، يكتشف الراوي أن رالف قفز من فوق سطح مقهى “دبيبو” بعدما ظن طيلة الوقت أنه نطّ من الكورنيش. يبدو ذلك له اكتشافاً نوعياً. كان يتخيّل نهايةً خاطئة طيلة الوقت. يصعد الراوي إلى سطح المقهى وينظر إلى الصخرة أمامه والبحر تحته. هل رفع ذراعيْه كرالف عندما قفز؟ لا أذكر، لكني أتخيَّل أنه فعل.
أين مات باسل إذاً؟ ماذا لو غيرنا مكانه؟ ماذا لو أنزلناه بيروت، ومرَّ أحدكم قربه ماشياً في شارع الحمراء؟ ماذا لو ارتطم كتفك بكتفه، واعتذرتما كل للآخر، ثمّ أكملتما طريقيْكما؟
هذه قصة. من يكتبها؟

 الأمر معقّد

 “ما الذي يعنيه الوطن لك؟”، سؤال طُرِح على باسل في فيديو على “فايسبوك”.
أجاب: “هذا سؤال خطير. جوابي قد يورطك بمشاكل”. ضحك، واستدرك: “وطني؟ لا. لا أشعر أنني في وطني. أحياناً، بلى. أشعر بذلك. الأمر معقد”. قهقه باسل مرة أخيرة وطلب بودّ إيقاف الأسئلة. “هذا يكفي”، قال.

 علينا أن نجعله إنساناً

 في القصَص، تترك الجريمة دنساً مؤرقاً في نفس فاعلها. هل يكون الانتصار الأكبر إذاً أن نجعل القاتل إنساناً، فلا يقدر على السيطرة على رباطة جأشه، ويحظى وحيداً بلحظة ضعف؟ وماذا يحدث عندها؟
سيشعر كثر بالارتياح عندها، من دون أن يعرفوا لماذا. قد تقترب أمّ من أولادها وتقبّلهم، أو يفوّر آخر القهوة ثلاث مرات لحبيبته، أو ربما يقوم ثالث بتقطيع الخضار قطعاً صغيرة لصحن سَلَطة. هؤلاء كلهم، سيبتسمون بهدوء.
نحن عندما نبتسم وحيدين، فإنما نفعل ذلك لأن شيئاً ما جميلاً حدث في مكان ما من هذا العالم وأحسسنا به. ليس مهماً أن نعرف تفاصيله. يكفي أن نشعر بوجوده.
+++
نُشِر هذا النص في جريدة السفير وموقع شباب السفير.


Comments

comments