١- “ساراوند سيستم”

جعلتُ أنظر إلى المشهد من الشرفة. كانت مقدمة السيارة قد تهشّمت بالكامل، وسيارات الإسعاف والشرطة تملأ المكان. تجمّع خلقٌ كثيرون. بعضهم كان يساعد واكتفى آخرون بالتفرج. لكنَّ شيئاً بان غريباً في كل ذلك. لم أستطع تحديده في البداية، ثم ما لبثَتْ الملاحظة أن صعقَتني. كانت الموسيقى تصدح بصوت عالٍ من السيارة المهشّمة. جُرِح من جُرِح ومات من مات فيها، وعاش الراديو صامداً. هذا “ساراوند سيستم” لا يموت، فكّرت وحضن كفّاي كوب القهوة الساخن أكثر.

عاجل:

“وضعْتُ دماً
على وجهي
ليظنوا
أني متّ”.

٢- أغمضَتْ عينيَّ

كان عمري أشهراً، ومرّ والداي بسيارتهما بالحاجز الإسرائيلي على طريق صوفر. أوقفهما أحد الجنود الإسرائيليين. لا أذكر بالطبع ما الذي حدث، لكني أحفظ من قصة أمي التي تكررها على مسمعي دائماً أن الجندي دار حول السيارة، وعلى الأرجح طلب الأوراق أو “تـَنَمْرد” قليلاً، ثمّ وقف عند النافذة المفتوحة قرب أمي وأنا في حضنها، ونظر إليّ. ما أعرفه هو ما أخبرتني به أمي. قالت إنها غطّت لي عينيّ حتى لا أراه، لكني لم أعرف – ولم تقل لي – إن كان الجنديّ لاحظ، وفهم حركتها.

عاجل:

“كنت أرتجف
كثيراً
وخطر لي
أنهم سيلاحظون”.

٣- عام السباغيتي

هاروكي موراكامي كتب قصة قصيرة عن عام كئيب. سأرويها مجدداً باختصار. وضع راوي القصة في غرفته وحيداً. صلته الأساسية بالخارج تلفون ثابت. يأكل كل يوم السباغيتي. خزائن المطبخ ملأى بعلبها. يصحو متأخراً، ولمّا يحن موعد الغداء، يفتح علبة ويسقط محتواها في ماء ساخن، فتتمدد المادة الصّلبة وتلتوي حتى تصبح جاهزة، ثم يضيف إليها الصلصة المعلّبة، ثمّ…
مهلاً. الحكاية ليست هنا.
الرجل معزول، ويبقى هكذا حتى الجزء الأخير، عندما تبدأ القصّة فعليّاً برنين الهاتف الثابت. يتذكر الراوي تلك اللحظة – بعد أشهر – وجود الهاتف، فهو كان قد قطع علاقاته تدريجياً بالآخرين. يرفع السمّاعة بعد تردد، ويجد على الطرف الآخر حبيبة صديقه، تسأله عنه.
“أين هو؟”. يجيبها: “لا أعرف”. “لقد انفصلنا”، تقول. “أها”، يقول راوينا. “أنت مشغول؟”، تسأل الفتاة. “أها. أصنع السباغيتي”. “مشغول بالسباغيتي؟”، تضيف مستغربة. “أها. نعم”. “هل من الممكن أن نتحدث؟”، تُصرّ. “لا، أنا مشغول”. “مشغول بالسباغيتي؟”. “نعم. أحتاج أن أركز”. “حسناً”، تقول الفتاة بعد فترة صمت. “حسناً”، يعقّب هُوَ. “اتصل بي لو قام بالاتصال بك”، تطلب منه. “حسناً”، يقول راوينا.
يقفل الراوي السماعة ويواصل طبخ السباغيتي. يفكر قليلاً في الاتصال الذي خرق إيقاع حياته لكنه لا يلبث أن يواصل أيامه برتابة: يفتح العُلَب نفسها، ويحضِّر الصحن نفسه. ثمّ في مشهد أخير من القصة، يرينا هاروكي حقلاً إيطالياً شاسعاً مملوءاً بسنابل القمح الصفراء التي تموّجها الريح، قبل أن يسأل منهياً بما معناه: “هل تستطيعون أن تتصوّروا كم كان سيُذهل الإيطاليون لو عرفوا أن ما كانوا يصدّرونه ذاك العام كانت الوحدة خالِصةً؟”.

عاجل:

“سرقوا ثلاثة تلفزيونات
وكمبيوتر،
ثمّ استعدّوا
للرحيل”.

٤- حفلة إرغام

يتعلق الأمر بالعنف، أو بقدرتنا – نحن البعيدين عن الأحداث – على “تحمّله”. لا أقصد لا الدم ولا الجسد. تخطينا ذلك منذ زمن، وبات عرض جثثنا ودمنا على الشاشات وفي صحفنا “عادياً”. الأمر غير ذلك. الأمر يتعلق أكثر بهذا التحوّل المفاجئ العنيف في إيقاع حيواتنا. الأعنف من التحول نفسه هو فقداننا للسيطرة. لمّا تختلط عندنا الأخلاق، بالمشاركة، برد الفعل، بالدفاع، بالصّمت. نُرمى في النار من دون أن نختار، ولا نلبث أن نتململ بعد فترة، ونسأل في لحظة شكّ: ما الذي نضيفه هنا؟
نحن في حفلة إرغام، نُرغَم فيها على الإحساس بما لا نود أن نشعره، في الوقت الذي لا ننتقيه. وهو – على صعوبة التحديد – إرغام قد لا يأتي من داخلنا. إنه شيء نعتقد – على الأقل، نعتقد – ينتهكنا من الخارج. وبرغم أننا نؤثّر فيه قليلاً أو حتى لا نؤثِّر فيه، إلا أنه يأبى إلا أن يؤثر فينا. الأمر أشبه بأن يطيح حدث غير متوقّع عادات ظهيْرات العُطَل الأسبوعية، ويمسح كل التفاصيل التي ترفدنا بنوع من الأمان. الاستقرار ليس أن لا يحدث شيء. الاستقرار هو أن نرتاح للإيقاع، حتى ونحن نغامر.
.. وهنا يأتي دور من خُلِقوا فقط لتعنيف إيقاع حيواتنا. فيرموننا في المعركة الوسخة، ويقتلون من نعرفهم ومن لا نعرفهم، ويرفعون من الكلفة، موصلينا إلى تلك الحالة التي يُمسي فيها عناق عادي كفيل بأن يجعلنا ننهار ونجهش بالبكاء، من دون أن نقدر على تحديد السبب.

عاجل:

“لِمَ تسألوني
من هم؟
أنا أعرف
من هم.
كلنا نعرف
من هم”.


* الجمَل العاجلة المقطّعة في نهاية المقاطع هي مقتطفات من شهادة لصبي في الحادية عشرة نجا من مجزرة الحولة، وأدلى بها لصحيفة “الغارديان”، مع إعادة صياغة محدودة.

+++

نشر النص في موقع “شباب السفير”.

Comments

comments