“النيزك فعل فعلته”(*). هي الحرب تُقبل كما لم تكن يومًا.

وهل تعرف كيف كانت في الماضي؟ في السبعينيات؟ في الثمانينيات؟ وهل كان ما تلى هذين العقدين غير حرب ساكنة؟

تقرأ في الورق. تشاهد الوثائقيات والفيديوهات القديمة. تستمتع لبرامج إذاعية مخرمشة الصوت. تحدّث أباك. أمك تقول لك أنها ولدتك في السيارة في الطريق للمستشفى. والدك يحدّثك كيف أنه كان في بلدة أخرى. كيف قطعت الطرقات، ولم يستطع رؤيتك قبل أيام من ولادتك. أمّك تحدثّك عن نظرة ارتسمت على وجهك لمّا خرجت. كنتَ غاضبًا، تقول لك. كأنّك عرفت. عمّتك تحكي كيف خبأوك تحت الكرسي، عند أول جولة تلت حضورك. وجدّتك تضيف أساطيرها المحكية حول زمن غابر.

الحرب صارت مشهدية. فيلم سينمائي أول اختصرها بحاجز يوقف سيارات، وثانٍ جعلها صراعًا عائليًا، وثالث جعلها طوابير إعاشة، وأخير جعلها فوضى عنف الصوت والصورة. لكنها الآن، الآن تحديدًا، وهي تحدث، “غير”.

تأتي غامضة رغم وضوحها. ترمي في وجهك الدم والجثث، وتتسلّح بتفرّق زمني للأحداث. هي حربان. حرب تفيض عليك من الخارج، وحرب تفيض من داخلك. الفيضانان يلتقيان. أعضاء تتقطّع. لحم يطير من إنفجار فيعلق على سطح سيارة تجعلكت. مواطنون يركلون ويلكمون بعضهم. آخرون يقطعون الطرقات استنكارًا وتضامنًا، أو يقطعون الأعضاء ترهيبًا، وآخر وراء مكتب يبشّرك بجزّ الأعناق. انفجارات مجهولة، معروفة، متفرقة. وكل هذا في هاتفك. في جيبك. إذا محوت تطبيقات القنوات، سيأتيك الخبر على حائط صديق، وإن محوته، سيأتيك عبر تحديثات أخرى، وإن هربت من كل هذا، سيجد له طريقًا في بريدك أو رسائلك النصية.

هي الحرب، تأتي هذه المرة مطبّعة بشخوص معروفة. بعكس حرب أبيك، تملك الآن فرصة أن ترى انفعالات الجميع على شاشتك. تخطّى الزمن نميمة الجارة وصاحب الدكان أول الشارع. إنها ملك الآخرين أكثر الأن، آخرين تعرفهم. وأنت معهم، ولو لم تشارك فيها. ما الذي تفعله هنا. بين هؤلاء؟ هؤلاء الذين تعرفهم؟ وما هذا الترفّع الذي تتمسّك به؟ لهذا يستولي عليك شعور القنوط الغامض. أنت لستَ هكذا، مثلهم، وهذه هويتك التي تقضي أيامك في محاولة تعريفها، ونقضها، وإعادة تعرفها. أنت تبحث عن الأسئلة، والحرب جواب. جواب صلب. متطرف، ثابت حتى حين، قوي في ثباته، وقوته هذه تقصي الأسئلة. تقصي هامش الرفاهية الذي يسمح لك بطرح الأسئلة.

إنها الحرب، تأتي دائمًا شابة، وإن بدت صغيرة، محدودة، موضعية، تافهة، بطيئة، متفرقّة. تأتي قبل إنقضاء شبابك وبعده، حكّاءة. وبحكيها هذا تتضخّم وتحمي شبابها. تأكل من نفسها وتبقى. وأنت تركض، تابعًا، محاولاً تحديد موقفك في حدث جديد قديم، يزداد مجهرية وعبثًا. هل هو عبث فعلاً. أم أنّك أنت من يرمي هذه الصفة المقيتة جزءًا من رفض تتسلّح به في وجه كل هذه السطوة. أنت الذي هرمتَ منذ زمن، وما زلت تهرم. تحاول أن تقرأ سياسيًا، ثمّ تنتهي بأن تجلس بجانب أبيك على الكنبة، تديران ظهريكما للوحة علّقت على الحائط، يرى تفاصيلها فقط من ينظر إليكما جالسيْن. وأنتما تكتفيان فقط بالانتظار. تنتظران الحرب أن تُوقع اللوحة المعلّقة، بل أن تسقط الحرب نفسها في كاراج البناية، أو رصيف الشارع، أو في البراح الذي تكشفه الشرفة.

وقد يحدث أن تسرعا بالمغادرة، فتنتظران في الخارج. وتحرصان أن تهرما سويًا من على بعد، على كنبة أخرى، أمام لوحة أخرى، وأنتما تشاهدان الشاشة.

“جسدٌ وترفعه. إنه ثقيل. يشد إلى الأرض. يبلى ويذوب. لا ترفعه، فلا يقع. أتركه على الأرض قربك”(*).

إتركه فقط.

(*) من روايتي “لا تنبت جذور في السماء” و”الظلّ والصدى” للروائي اللبناني يوسف حبشي الأشقر.

نُشِرَت التدوينة في جريدة المدن الإلكترونية

 

Comments

comments