(إلى ز.)

١وقفت في الشارع لا أعرف ماذا أفعل. أضعت محفظتي قبل دقائق. أين أضعتها؟ أحاول أن أتذكر. على الطاولة في المقهـي أم في الطريق إلى السيارة أم حين صعدت إليها؟

٢– 

– يا جدّي، هل تعرف؟

– كلّا.

– ولا أنا أعرف أيضًا.

٣الركض من أول شارع الحمرا لآخره لم يجد نفعًا. النتيجة سلبيّة. المحفظة تبخرت. ج. و أ. ظهرا بالسيارة للمساعدة. قلبنا أرض السيارة ومقاعدها. لا شيءالصباح رباح.

٤باكرًا في الصباح، بدأ العدو. النقابة. المخفر. السفارة. وزارة الخارجية. مديرية الأمن الداخلي. وزارة الخارجية من جديد. السفارة مرة أخرى. المختار. الأمن العام. مخلّص رخص السواقة. سلسلة من حلقات لا تنتهي امتدت على أكثر من يوم لاستعادات بطاقات تعريفية، لما تنتهي استعادتها بعد حتى هذه اللحظة.

٥بطل رواية نظام الأشياءإيكاروس، هبت ريح لترمي حجر طاق من سقف أحد البيوت باتجاه رأسه، محدثة ذاك الشرخ في جمجمة الفتى. الممرضة أخبرته:عندك شرخ في الجمجمة. عرفت الممرضة من الجورنال. أما أنا، وفيما كنت أقرأ هذا السطر، هالتني فكرة أن ترد إصابة عرضية من هذا النوع لشخص غير معروف في جريدة. هذا هو الفرق بين الصحف العربية والصحف الدانمركية؟ عادية الإصابة؟ عادية الموت؟

٦ليلة فقداني لهويتي وبطاقاتي، كنت أشبه بجثة. جثة غير معرّفة. كان مذهلًا بالنسبة لي أن تكون مجموعة البطاقات السخيفة بمثل هذه الأهمية. أمر مذهل لأن بلدًا يعاني من أزمة هوية، استطاع في لحظة أن يتواضع ليصير مجموعة من البطاقات المطبوعة المغلفة. عندما صعدت إلى سريري٫ لم أنم لساعتين، حتى أنني كدت أبكي. وهنا أتيت بنظريتي التالية. الأمر لا يتعلق بفقدان الهويات. الأمر يتعلق باضطراب الإيقاع، فنحن نتعود أن نمشي بمحافظنا محميين بالتعريفات المطبوعة على بطاقات. الأمر يتعلق بنظام الأمان.

٧هل تضيع بطاقة الجندي الهارب من الجيش حكمًا حين يعرضها في الفيديو المبكسل على يوتيوب؟ ما الذي يفعله الجندي حين يعرض بطاقة انتسابه؟ يثبت هوية سابقة يتخلى عنها الآن، حين يعرضها، لأنها لم تعد ترفده بنظام الأمان؟

٨في عطلتي ببيروت، طافت ثلاث جثث شمالًا ، جنوبًا على شاطئ البحر، واكتشفت أكثر من جثة مطمورة ووجدث جثث أخرى في كامل ملابسها مطلق عليه النار. الجثث عادةً ما تكون مبهمة الهوية عند اكتشافها بعيدًا عن البيوت.

٩الشرخ في جمجمة إيكاروس يتسع. لم يعد يقدر أن ينسى. كلما تذكر شيئًا في رأسه، تجسد أمامه. مات النسيان. دفن الضياع. هو الآن في رحلته العكسية، يزور كل ما سبق في ذهنه، ويجسّده. لا تلبث شقته أن تمتلئ بالأشياء. يحاول إيكاروس أن يجد طريقًا له نحو باب الخروج. يركز أن لا تتجسد الأشياء إلا في أمكنة معينة. لكن الكميات تتعاظم. “بعدها تلاشت المشاعر، والمستحيل يجتاح. على أي طريق سيسير؟ الأشياء تتغلغل فيه. الأشياء تتشبث بأفكاره، تغلق الطريق“. ورغم كل ذلك لا يجد بدًا إلا أن يخرج ليمشي في المدينة.

١٠ماذا فعلوا بالمحفظة؟ أخذوا النقود التي فيها ورموها في مستوعب نفايات؟ أم دققوا في محتوياتها؟ وجدوا الصورتين المخبأتين في جيبها الأمامي؟ رموهما؟ أم أنهم علقوهما على حائط ما في بيت ما، وصاروا ينظرون إليهما كل يوم في الصباح وهم يرشفون قهوتهم؟

١١في الصورة السينيّة يمكنه أن يرى سلسلة من الظلال المدهشة المستوية، خرابيش تقاطع بعضها بعضًا في شبكة منظّمة، خطوط دقيقة تتشعّب مشكّلةً خريطة. لعلّ ذلك كان بسبب المادة التي طبعت فوقها صورة الأسعّة السينيّة؟ كلا، إنها فعلًا خريطة مدينة مع أسماء الشوارع، الساحات، البحيرات، شبكة الطرق منسوخة وفق قياس صحيح. ألا يتوجّب على المرء أن ينادي الطبيب؟ لكن الأمر لا يدعو للشك. إنها خارطة مدينة، وهذه المدينة هي (..)”.

١٢كان إيكاروس يمشي في رأسه. المدينة هي دماغه. هي ما انطبع فيها. هكذا قالت له صورة الأشعة السينية التي نظر إليها، وهو كلما مشى، تذكر أكثر، أو فلنقل عجز عن النسيان أكثر. صارت الأشياء نظام ينتجها دماغه. صور الذكريات تنجرف إلى ساحل روحه، حيث لا يكلفه الأمر سوى الانحناء، والتقاطها من هناك”.

١٣فيما عدا مقهى الناصية الذي يفتح ليلًا نهارًا في كل الأيام، صادت بيروت تنام باكرًا. “الناس خوفى”. هذا سطر تسمعه كثيرًا في المدينة. وللوهلة الأولى لا يمكنك إلا أن تسأل: خائفون ممن؟ خائفون لماذا؟ هل أضاعوا هوياتهم أيضًا؟

١٤باع إيكاروس ذكرياته. ملأت الأشياء شقته، حتى لم يعد يستطيع الدخول أو الخروج. لقد نام مرة بوضعية الوقوف بين ذكريين. كان يجب أن يبيع ذكرياته.

١٥ما الذي يدور داخل دماغ المدينة حيث تقبع الذاكرة؟ (..) المدينة تحلم أحلامًا عنيفة، صور الشوارع وخطط المدينة تقرقع بخفّة، طرقات تضاعف نفسها، تتبادل الأسماء، تقايض وتتجوّل تحت جنح الظلام. وعندما يحلّ الصباح، حيث الأشياء تكون على حافة خطر التلاشي، يستظيع المرء أن يستيقظ وهو على علم بأنّ المدينة أيضًا أضحت مدينة أخرى“.

١٦حين أستعيد بطاقة هويتي الجديدة سأصور فيديو مبكسلًا وأرفع هويتي أمام الكاميرا ناطقًا بالجملة الكلاسيكية: “هذه هويتي، سأقول. ماذا سأكون أفعل عندها؟ أرثي هوية سابقة؟ أحتفي بهوية حالية؟ أم أن الأمر سيان؟ ماذا سيحدث لي؟ هل سأشعر بالارتياح؟ هل سأتذكّر؟ هل سأنسى؟ هل سأتلاشى؟

+++

المقاطع بالخط الأسود العريض هي من رواية “نظام الأشياء” للروائي الدانمركي مورتن سونجورد الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون بترجمة جمال جمعة.

 

Comments

comments