.. ونتلو عليكم ما ورد في الرسالة التي وُجِدَت بالقرب من الشاب المنتحر:

تقترب منّا الأشياء بعدما ظننّاها بعيدة، وبعدما كنّا نوهم أنفسنا أننا نتجنّبها قدر الإمكان. نعزل أنفسنا، وإذا قرّرنا أن نقترب لقضاء حاجات يصعب تجاهلها، نصير ندور حول المشوّشات والعقبات، ونسلك طرقًا بديلة كي لا نطأ في رمل متحرّك نثق أنه سيسحبنا إلى الأسفل. ورغم كلّ جهودنا، رغم كلّ تركيزنا في تجنّب الأماكن والناس الخطأ، تتجاور في لحظة المسارات، وتتقاطع. مرّة وحيدة أو أكثر، ليس مهمًا عدد التقاطعات ولا أسبابها. المهمّ هو النتيجة. فعندما تحدث الأشياء، تحدث فحسب. وعندما نفشل، نفشل. نفقد سيطرتنا وننجذب إلى مسار آخر كنا نهرب منه. وننتبه بعد إنكار، أنّنا صرنا في قلب العالم الذي تجاهلناه طويلًا  وابتعدنا عنه بإرادتنا. ها نحن فيه، من دون أن نختار، مضطرّين للتعامل مع كلّ ما يفرضه علينا. ها هو يمسّنا مرّةً بعد مرّة في أكثر التفاصيل شخصية. تذوي طاقتنا ببطء. نجهد لإرساء تسويات. وسواء فشلنا أو نجحنا في تحقيقها، يتواصل تراكم شعورنا الفشل. تصير طاقتنا تنطفأ بشكل أسرع، حتى تخمد تمامًا. وينقلب الأمر عندنا من هوس الابتعاد عن المسار، إلى الشعور بالاستهداف. حتّى إن كانت هذه الأشياء تصيب الكلّ. لا يهمّ. ما يحدث موجّه إلينا. هكذا نشعر. هكذا نثق. نحاول أن ننزلق في عزلة جديدة داخل المسار الجديد. نعزل أنفسنا عن كلّ من حولنا، مسترشدين بما نظنّ أنّه حقيقة: إذا كنّا لا نستطيع أن نهرب من هذا كلّه، فلنتقوقع وحيدين في زاوية ننتقيها. لكنّ الأمر ليس سهلًا، لأنّنا ببساطة موجودون في الداخل، ولأنّنا سنرتطم بالأشياء مهما جرّبنا أن نبتعد عنها. هكذا هو الحبّ الفاشل. هكذا هي السياسة القائمة. هكذا هي الحرب المستمرّة علنًا أو سرًا. هكذا هو المسار العلمي المفروض. هكذا هي المهنة. هكذا هي الحياة. كلها أنظمة قائمة تمنع فرص البحث والاختيار. تُورّطنا، هي القويّة، ونحن الضعفاء. نحن الذين صرنا ضعفاء بعدما انطلقنا ذات يوم في شبابنا مبتهجين آملين نعانق الأحلام. أحلامنا كلّنا تسقط تباعًا لأن موازين قوة قد اختلّت، بمرور الزمن ونموّنا، ولم نكتشفها إلا متأخّرين. واعون لهزيمتنا، ولا نقدر أن نردّ شعور الفشل والنهاية. واعون ولا نستطيع أن نصلح أيًا من هذا الذي يحدث لنا. فكيف نستمرّ وسط كلّ ذلك؟ نحاول. نجرّب أكثر من مرّة ونفشل. ثمّ نحاول ثانيةً حتى نصير محض أشباح. البعض منا يكون أكثر حظًا لأنه يحظى بشريك يفهمه. لكنّ الشراكة لا تكفي. فالعالم قائم حولنا، والتورّط مستمرّ، ولا سبيل لتغيير هذا كلّه.

هذه هي الخلاصة: إن لم نكن سعداء، ولَمْ يكُن هذا العالم يحبّنا، فلِماذا نستمرّ؟

لِمَ عيشُنا؟

*مقطع غير محرّر من الرواية الجديدة

Comments

comments