أهجس بالرؤوس، ولا أعرف منذ متى تحديدًا. منذ صادفتُ فيها صورة الفنانة مقطوعة الرأس في نيوزفيدي؟ منذ قرأتُ تلك المقالة عن قاطع رؤوس يتجول في الحمرا؟ منذ تعثرتُ بقصة عصابة الرؤوس الشهيرة في المكسيك؟ أم قبل ذلك بكثير، عندما كتبتُ عن أنصاف الوجوه في الرواية؟

أحاول أن أتذكر، ولا أستطيع أن أحدّد لحظة ابتدائية لكل هذا الهجس. هل هناك من نجح يومًا في تحديد لحظة أولى عُرِفَت فيها على الأشياء بتعريفها العامّ غير المختلف عليه؟ الموت كمعنى لأول مرة مثلًا؟ الجنازة كموكب يحتفي بالموت لأول مرة؟

أهجس بالرؤوس، ويخطر لي أن أنتبه أنهم يربطون رؤوس الموتى في أسرّتهم، من الفك حتى الرأس، فأقول إنهم يفعلون لتبقى الرؤوس رؤوسًا قبل الدفن.

أفكّر بالرؤوس منذ مدّة. والبارحة، حلمتُ بها. كنا جالسين إلى طاولة عشاء، من دون أن نعرف بعضنا، ومن دون أن ننظر إلى بعضنا. طُلِب منا أن نوجه نظرنا إلى الأمام فقط، وأن لا نحرّك أعناقنا. قال لنا مسؤول الجلسة، الذي كنا نسمع صوته ولا نراه، إنهم سينتقون عدداً من الرؤوس ليجزّوها بالسكين، ثم أوضح أنّ علينا أن نحسن التصرف عندما يفعلون ذلك، وأن لا نحرك أعناقنا.

وبدأ العد العكسي.

سمعتُ أصواتاً مكتومة، ورأيتُ خطوط الدم على الأعناق قبل أن تحنوَ الرؤوس هامدة بلا اعتراضات. رأيتُ ذلك كله، وشعرتُ به، وأنا أنظر للأمام من دون أن أحرك عنقي حتّى. كنت أنتظر دوري، لكنّ أحداً لم يخترني. صحَوْتُ للحظة، ثم غرقتُ بالنوم من جديد. عدتُ أنتظر داخل الحلم إلى أن استيقظتُ مرة أخيرة مع شعور عارم بالانزعاج. حاولتُ أن أتذكر اللحظة الأولى التي بدأ فيها المنام لكني لم أوفَّق بالإمساك بها. حتى الرؤوس لم أكن أتذكر أشكالها. فقط استعدتُ خطوط الدم الحمراء وشعوري بالاختناق.

أهجس بالرؤوس ولم أكن أعرف لِمَ، وأهجس الآن بالبدايات ولا أملك شرحًا. اللحظات الأولى في هواجسنا، من يحدّدها؟ كيف يبدأ الهجس، ولماذا يبدأ؟ والأهمّ، كيف يتحوّل؟

– نوفمبر ٢٠١٢

Comments

comments