عندما وصل، حمل الكيس، ونزل عند الرصيف المواجه للصخرة. أدار ظهره للمقاهي وقطع الشارع.

       لم يأتِ إلى هنا منذ زمن بعيد.

     حوله، ووراءه، وأمامه، مرّ الناس. منهم من يمشي ومنهم من يركض. بخلاف البائعين الذين منعَتهم البلدية من التواجد بسياراتهم وعرباتهم الصغيرة، ما من شيء تغيّر هنا.

      باقيان. الصخرة والبحر باقيان.

      هنا عرض عليها الزواج.

       يومها طلب منها أن توقف السيّارة وأن تترجّل.

      “الروشة يا خالد؟ جايبني ع الروشة يا خالد؟”، قالَت مستنكرة.

      أجاب أنّ ما سيفعلانه يجب أن يحدث أمام معلم من معالم المدينة، وأنّه فتّش، “صدقيني فتَّشْتْ”، ولم يجد شيئًا لافتًا في بيروت.

(..)

      فكّر ولم يقُل لها: المدينة لا تحتوي على أيّ معالم مؤاتية لتأريخ اللحظات. المباني فيها تلتصق ببعضها وتتراكم وتفيض كَورَم فوق جسد، ثمّ تأخذ تتضخم وتمتد حتى يُطمَس الجسد ويبقى الورم. ما الذي يحدث للأورام بعد موت الجسد؟ لو قدّر للأورام أن تعيش رغم موت الجسد الذي نبتَت عليه، ما الذي كان سيحصل؟ هل كانت لتكبر متّصلةً إلى ما لا نهاية؟ هل كانت لتبتلع الجسد ثمّ تستقلّ  بنفسها وتعيش وتتنفس وتأكل؟  أم أنها كانت لتموت؟ ولو ماتت، هل ينبت بعد الورم جسد جديد؟

(..)

          فكّر وقال لها: صخرة الروشة هي المعلم الطبيعي الوحيد. لكنّ المفارقة أنّها تقع في البحر، منفصلة عن داخل المدينة، تنظر إليها. كأنّما افترقَت وحيدة بجزئَيْها في لحظة حَرَد، ثمّ انتبهَت لخطئها، لكنّها أبَت أن تتراجع عنه. بل إنها صارت تقنع نفسها بموجبات حَرَدها، وبقيَت هناك تنظر للجرف الصخري للمدينة، آملةً أن يناديها ويعتذر منها، وتفكّر أنّها ستقبل بتطييب الخاطر بلا اعتذار، وتعود فورًا. وبقيَت تنتظر، لكن لا تطييب الخاطر ولا الاعتذار أتيا. فكما المألوف، الافتراق سهل والعودة صعبة. ظلَّت الصخرتان، الكبيرة وأختها الصغيرة، واقفتيْن في مكانهما، وكلّما طال الأمر، اعتادتا الوحدة، وتكلّس الخلاف مع المدينة وتطبّع، حتى صار الاعتذار والعودة ضربيْن من ماضٍ سحيق لا يقبلان الحدوث، وهما إذا حدثا، فإنّهما لن يُعيدا ما سبق، بل إنّ العودة ستكتسي بالغرابة وربما بنفور اكتشافِ ما لم يكتَشَف في السابق. ولهذا تبقى المسافة بين الصخرتيْن والجرف. لأن الاعتياد قضى بأن يبقيا على هذا البعد، يشيحان وجهيْهما أحيانًا، ويكتفيان بابتسامات مضطرّة  لا تخلق نزاعًا ولا تستردّ أسئلة بائتة أحيانًا أخرى.

(..)

          وها هو الآن يقف في المكان ذاته حاملًا الكيس البلاستيكي.

* من الرواية الجديدة / قيد التحرير

Comments

comments