ليس جبل نفايات هذا الذي عرفَته بيروت اليوم. ليس جبلًا محترقًا. البلد كله كان في السماء، غمامة سوداء أعمَت النظر، ورائحة حريق أزكمَت الأنوف. هرعَت عربات الإطفاء تحاول إطفاء ما يمكن إطفاؤه. هرب السكان من البيوت حول الجبل العائم فوق الماء. أصيب بعض الأطفال بالاختناق وحملهم ذووهم إلى المستشفيات القريبة. وقام من بقي من المواطنين في المنطقة بمساعدة الإطفائيين. ولمّا لم تؤدِّ جهودهم إلى أي تقدم، انضمّت مروحيات الجيش ترفع الماء من البحر وترميه فوق الجبل، ثمّ التحق بالمروحيّات أصحاب خزانات الماء الخاصة في المناطق القريبة الذين أتوا بشاحناتهم للمساعدة.

        لم يتوقّف المشهد هنا، فسرعان ما تابع اللبنانيّون عبر الشاشات وصول عناصر حزبية من خلفيات متناحرة في السياسة إلى موقع الحدث. وساد الترقب للحظات، لكن المفاجأة كانت أن العناصر استبدلوا أسلحتهم المعهودة بخراطيم الماء، بإيعاز من قياداتهم على إثر الاتصالات بينها، والتي نتج عنها قرار بتنحية الخلافات السياسية مرحليًا، والتنسيق  معًا لمواجهة الحريق.

        ورغم كل الجهود، لم تحاصَر نار الجبل العائم، بل كان حجمها يتعاظم بمرور ساعات النهار، وكاد اللهب أن يلامس البيوت القريبة. ولولا أمر الطبيعة لكان الوضع قد تدهور إلى ما هو أسوأ، فقد أبَت السماء إلا أن تهدي هذا المشهد الوطني الجامع مطرًا انسكب غزيرًا من الغيم وأطفأ النيران، ومعه جزع سكان المنطقة..

        كان مشهدًا استثنائيًا هذا الذي رأيناه اليوم، بدأ بالتدليل على الأوصال المقطعة لهذا البلد الذي يجهد مواطنوه ليوفروا العيش الكريم لهم ولعائلاتهم، وانتهى بوحدة وطنية لم نشهدها منذ زمن، ما يدفعنا للسؤال: إلى أين من هنا؟ هل ستستثمَر هذه الوحدة في ما هو أبعد من مجابهة حريق؟ وماذا عن حرائقنا السياسية اليومية التي لا تنتهي؟ هل تمضي الحكومة الممنوعة من الاستقالة، داخلًا وخارجًا، الأيام المقبلة بممارسة هوايتها المفضلة في الهرب للأمام، ويعود وزراؤها إلى تناحراتهم الداخلية المعهودة كأن شيئًا لم يحدث؟

        اليوم، احترق جبلٌ من النفايات. لوّث السماء والبحر ورئات الأطفال والعجائز. لكن ما ينتظر هذا البلد أخطر. فكما الجبال الجليدية، لم نشهد من الجبل غير ثلثه الظاهر فوق سطح الماء. وبقي أكثر من ثلثَيْه مخبوءًا، لا نعرف متى يباغتنا، ويظهر، فهل تتفاجأ الدولة عندها من جديد؟

– من الرواية الجديدة / قيد التحرير

Comments

comments