تأتيني المشاهد نتفًا كغمام أبيض في سماء زرقاء. أرى الأشياء التي كانت ولم تبقَ، والأشياء التي بقيَت في غير أماكنها القديمة، والأشياء التي صمدَت حيث كانت. يخفت لون الأثاث ويتجمّع الغبار حول حوافه وفي زوايا الغرف. تصفّر الجدران بالتدريج، كأنّها تقول إنّ حياةً ما تترسّب بطيئةً هنا. تنتقل كنبات إلى غرَف كانت مغلقة، وتتعرّى كراسٍ وأشياء أخرى لتصير هياكل وقطع حديديّة في الحديقة الخلفية للبيت.

لم يفتح لي الباب يومًا. كنتُ عندما آتي، أكبس على الجرس، وأنتظر. وعندما لا يقترب أحد من الباب، أدقّ عليه بقبضتي، ثمّ تقوى طرقاتي مع مرور الدقائق، قبل أن أخرج المفتاح من جيبي. لماذا كنتُ أتريّث قبل استخدام المفتاح؟ هل كنتُ أرغب أن يفتح لي الباب؟ أم كنتُ أخاف أن أدخل لأجده قد مات في غيابي؟ أم كنتُ أمهله الوقت كي لا أراه عاريًا مع امرأة أخرى؟ ولِمَ أفعل ذلك؟ ولِمَ أتوتّر من فكرة أن يكون مع إحداهنّ؟ ليس أبي، ولم تكن زوجته حتّى أمي، فماذا في الأمر؟

كلّما وقفتُ عند العتبة، تراءَت لي أبشع المشاهد. كلما انتظرتُ هناك، نتأ فيّ الخوف، لكنّي كنتُ أطرد الشعور بالقول: من هنا خرجتُ، ومن هنا سأدخل، ومن هنا –حتمًا- سأعود لأخرج.

في هذا المنزل، تعاظمَت لديّ موهبة رسم المشاهد في عقلي. وكما تكتَب الروايات، كما كان يشرح لي آزو قبل أن يقدم ورقة جامعية، كنتُ أخلق في عقلي سيناريو وأصير أبني فيه وأضيف إليه وأُنقِص فيه. وكنتُ كلما أنهيتُ مشهدًا انتقلتُ للتفكير بآخر وبتمييزه عن سابقه بتفاصيل أخرى، حتّى وصلتُ لحدّ الإيمان بأنّي احترفتُ الأمر، وما عليّ إلا الانتظار للحظات كي تخرج الأشياء منّي وتتحقّق أمام ناظري.

خفتت قدرتي فجأة بعد أن تركتُ المنزل. صرتُ أنام أكثر، وقلَّت أحلام يقظتي ومنامي. عندما أخبرتُ معالجي النفسي بالأمر، لم يبدُ عليه التفاجؤ، واكتفى بأن دوّن شيئًا أمامه في الأجندة، وبدعوتي أن أكمل حديثي. أنهيتُ وقتها الجلسة بالقول له إنّه بات يذكّرني بأبي، كلّما أومأ أو رسم تعبيرًا على وجهه وانتظرني أن أكمل بدل أن يجيب عن أسئلتي، وهي ردّات فعل كانت تردّني لأسئلة لطالما عبرَت خاطري: لماذا لا يتكلّم الأشخاص عندما ننتظرهم أن يقولوا لنا شيئًا؟ ولماذا يتحدّثون في لحظات ينتقونها هم؟ وكيف يتغيّر الكلام عندما نمعن في تأجيله؟

كلّما وقفتُ عند العتبة، أخذني شعور الانسياق. أفتح الباب، وأتركه ورائي مفتوحًا، كأنّي أؤكّد خروجًا لاحقًا، وأدخل بخطى بطيئة. أسمع الصرير آتيًا من الحديقة الخلفية فألحق الصوت وأجده –كما كلّ مرّة- جالسًا على الأرجوحة، بفانيلته البيضاء وبنطال البيجاما الأزرق، منكبًّا فوق قطع حديدية متفاوتة الأحجام والأشكال، وقربه كؤوس شرابه.

“تعا، تعا..”، يدعوني للجلوس، ويفسح لي مكانًا قربه، ثمّ يصبّ لي كأسًا، ويعود لانهماكه، بعد أن يعطيني قطعة من قطعه.

في المرّة الأولى الذي وجدتُه فيها على هذا النحو، لم أفهم طلبه. استعاد منّي القطعة وأمسك بإحدى الأدوات أمامه، وشرح لي كيف أفكّها، وأعاد تمريرها لي. وفي المرّات اللاحقة، صار شرحه يقتصر على الكلام.

كان يتحدّث دومًا عن ضرورة تفكيك الأشياء، لأنها عندما تتفكّك -حسب قوله-  تتعرى من الطبقات، وبعد أن كانت عنصرًا ضمن مجموعة عناصر، تعود وحيدة ويمكن إعادة بنائها على هيئات جديدة على غير حالاتها السابقة.

كلّما استفاض في تلك الأحاديث، كان يخطر لي الخاطر نفسه. إنّه لا يقول هذه الأشياء لي على وجه الخصوص، ولعلّه كان سيقول الكلام نفسه لو كان آزو مثلًا جالسًا في مكاني. لم أكن أجد نفسي في حديثه على أيّ نحو، وهو لم يكن يحاورني بقدر ما كان يكلّم نفسه. لكن على الرغم من يقيني بانتفاء ضرورة وجودي، لم أكن أتوقّف عن الاستماع إليه، بل كنتُ أركّز في ما يقول، وأنهمك في تفكيك قطعتي الحديديّة، لينتهي الأمر بأن يجذبني إلى عالمه، تمامًا مثلما سحبني ذات يوم من الموت. لكنّه يتوقّف عن الكلام فجأة ويرفع وجهه نحوي مبتسمًا، كأنّما لاحظ وجودي من جديد، ويسألني عن أحوال آزو.

Comments

comments