نرحل. نغيب عن الأمكنة، ونمضي أوقاتنا نسأل ما الذي تغيَّر؟ نسأل: ما هذا الذي نشعر به؟ ما الذي زاد؟ وما الذي نقص؟ يتعاظم شعورنا بالنقصان، فندعم أسئلتنا بالزيارات. نظنُّ أنَّنا إنْ عدنا، سنجد الأجوبة. نزور الأمكنة، وتزورنا. نحن ننظر في تفاصيلها، وهي تنظر فينا وتخترقنا. وكلَّما عاودنا الزيارة، أو بقينا في المكان أكثر، غبنا ولم نعُد متيقِّنين: هل انتبهنا؟ هل فهمنا؟

نمضي نؤبِّن اللحظات والذكريات، وتتحوَّل رحلاتنا إلى حفلات متوالية من مشاعر متضاربة، كل شعور فيها يضيف إلى ما سبقه، كل شعور فيها يطرح مما سبقه، كل شعور فيها مستقلٌّ بذاته، يتَّصل بما قبله، ويؤسِّس لما بعده.

زياراتنا للأمكنة تسهِّل عملية التأبين. الأمكنة أوعية عامة حدث فيها كلُّ شيء. الأمكنة تستعيد المشاعر، ترفعها إلى السطح وتكاد تحتفي بها. الأمكنة حاضرة أكثر من الزمن. الزمن محض تفصيل عمودي يضاف لما حدث. الزمن يتغيَّر كلَّما تغيَّر شعورنا، وكلَّما ثقل إحساسنا تجاه كلِّ ما جرى أو خفَّ. لكنَّنا مهما حاولنا، لن نقدر أن نقبض إلا على ما هو مادِّي أمامنا.

تتحوَّل عودتنا إلى محض تمرين لقتل الوقت. كيف يُقتَل الوقت؟ عندما نصير نشعر بالبطء، أو عندما يتسارع إحساسنا بجنون الإيقاع. كيف يُقتَل الوقت؟ عندما لا يعود شيئًا ممَّا يحصل حولنا متَّسقًا بالنسبة إلينا. كيف يُقتَل الوقت؟ عندما نُعلن الحداد، في الطرق التي نستقبل فيها ما يحدث حولنا، وفي ما نفعله. كيف يُقتَل الوقت؟ ولماذا نسأل؟ الكيفيَّة غير مهمَّة.

نغيب في الأمكنة التي عدنا إليها. نذوي ونتّْضح وتسيطر علينا الغرابة، فنجد أنفسنا نقف عند الأطلال. في الدخول والخروج، كلُّه طَلَل. في العودة والذهاب، كلُّه محض بقايا مما حدث معنا من قصص غير مكتملة مفتوحة النهايات. وما النهايات؟ وما الاكتمال؟ من يحدِّد ذلك كله؟ نحن الذين نركن إلى ترتيبٍ ما، لنقول إنَّ القصَّة انتهَت. لكنَّ القصص لا تنتهي. هذا ما سننتبه له أخيرًا. ولأننا انتبهنا، نقرِّر الابتعاد من جديد. وكلَّما واصلنا الابتعاد، غمر الرمل الطَّلَل. ابتعادنا عاصفة رمليَّة، وعوداتنا، مصادفاتٍ أم قراراتٍ، نسيمٌ عابر لا ينجح إلا في تطيير بضع ذرات رمل كافية لتذكيرنا بأنَّ شيئًا ما حدث هنا.

شيءٌ ما حدث هنا، وهذا ربّما كافٍ.

Comments

comments