نظرتُ إلى آزو من حيث أجلس على الكنبة. شفتُ الشامة الناتئة في الجانب الأيسر من كتفه، ولمحتُ التشقُّقات التي ظهرَت أسفل ظهره بعد فقدانه المتكرر للوزن. ظننتُه غارقًا بالنوم، فأكملْتُ أنحدر بنظري على خصره، وأصابع يده، ثمَّ مؤخرته، ففخذه.

كان يمكن لي أن أبقى أتبصَّر في جسمه بلا ملل. لم تكن المرَّة الأولى التي أصفن فيه على هذا النحو بعد أن ينام. ولم يكن الأمر جنسيًّا. أقصد أنَّه جنسي، لكنَّ الدافع الأساسي من نظرتي لم يكن رغبتي في الاستثارة -وإن كنتُ أُستثار- بقدر استمتاعي باكتشافي المتكرر لجسمه، وتعاملي مع الأمر كرحلة يكتنفها الحزن والمتعة معًا.

«لا متعة بلا حزن عندي، ولا حزن إلا مع متعة»، قلتُ لأدريان، معالجي النفسي، مرَّةً، فقطَّب حاجبيه مبديًا عدم اقتناعه بحكمي الجازم.

عندما أحدِّق في جسمه، يعود آزو ليقف من جديد في صف الانتظار عند مدخل النادي الليلي حيث كان لقاءنا الأول. وقتها، حدثَت بيننا تلك اللحظة التي خيِّل لي فيها أنَّه ينظر إليَّ، قبل أن يغادر صفَّه ويتجاوزني ويسلِّم على أناس آخرين يقفون ورائي.

حاولتُ الاستماع إلى حديثه مع رفاقه. كنتُ منهمكًا في التنصُّت، لدرجة أنِّي كنتُ أحيانًا أنسى التقدُّم في الصفِّ، فيقوم الواقف ورائي بتنبيهي. سمعتُهم يتحدَّثون أولًا بالعربية ثمَّ بلغة لم أفهمها، ولم يطل الانتظار قبل أن أدخل النادي وألتقي برفاقي الذين كانوا ينتظروني.

قلتُ لهم إنِّي سألحقهم خلال دقائق، ودعوتُهم أن يمضوا باتّجاه القاعات الأخرى. بقيتُ واقفًا عند البار أنظر إلى الباب منتظرًا دخول آزو، لكنَّ ظلام المكان ووميض ألوانه لم يساعداني في تبيِّن وجوه الداخلين، ثمَّ سرعان ما قطع انتظاري مجيء رفيق آخر من المجموعة دعاني لشرب كأس.

لم أبقَ إلى ساعة متأخِّرة كما اعتدتُ أن أفعل في نهاية كل أسبوع. اعتذرتُ من رفاقي قبل منتصف الليل بقليل، مدَّعيًا الشعور بالتوعُّك، وقلتُ إنِّي أفضّل عدم التورُّط بالشرب أكثر.

وقفتُ في الخارج، يراودني شعور الحزن الذي يلي إضاعة الفرص. لا أعرف لِمَ تعاملتُ مع آزو وقتها كفرصة. فأنا لم أكن أعرف آزو قبل وقوفنا في الصفِّ، ولم ألمحه سابقًا لا في النادي ولا في الشارع رغم تردُّدي الأسبوعي عليهما. لكنِّي كنتُ واثقًا من شعوري بالخسارة، وأنِّي لن أراه بعدها.

انتظرتُ عند المدخل أدخِّن سيجارة. لم أكن أرغب في العودة إلى المنزل، ثمّ قرَّرتُ أن أتمشى في الشوارع وأرى إلى أين ستأخذني قدماي. مشيتُ لما يقرب الساعة، فوجدتُ نفسي أعود إلى الرصيف المقابل لمدخل النادي. درتُ في حلقة مقفلة، وعدتُ إلى نقطة البداية من دون قصد وبلا كثير تركيز.

كنتُ أهمُّ بتوليع سيجارة عندما رأيتهُ خارجًا من باب النادي. وقف مترنِّحًا يضع سيجارة في فمه، وبدا لي من مكاني أنَّه لن ينجح في إشعالها، ففكَّرت أن أقطع الطريق لأقدّم له قدَّاحتي، مدفوعًا بشعور الإثارة الذي لفَّني، لكنِّي ترددتُ. لم تمرَّ ثوانٍ قبل أن يرفع آزو نظره نحوي، ويبتسم ابتسامة غريبة، ويقطع الطريق باتِّجاهي. عندما وصل، اكتفى بالسلام، وأخذ مني القدَّاحة بلا استئذان وأولع بها سيجارته، ثم أعادها إليَّ شاكرًا قبل أن يجلس على حافة درج قريب، ويدعوني بالإنكليزيَّة أن أنضمَّ إليه.

أعلمني باسمه، فرَدَدْتُ باسمي، وسلَّمنا على بعضنا من جديد. بقينا جالسيْن على الدرج، ندخّن سيجارتيْنا بصمت، قبل أن يعلن آزو أنَّه لا يشعر أنه على ما يرام. لم يسعفني الوقت لأستفسر أكثر لأنه فجأة رمى السيجارة، وبدأ يتقيَّأ بين قدميه.

«يوسف؟»، يسألني آزو من السرير. يربَّت على الوسادة قربه ويضمُّ شفتَيْه. أنهض من مكاني محاولًا القفز فوقه إلى المساحة الفارغة.  لكنَّه يقلبني ويستلقي فوقي، ويقول: «كنتَ تنظر إليَّ وأنا نائم».

أهزُّ رأسي بالنفي، فيرفع آزو حاجبه، كعادته عندما يعلن عدم اقتناعه. أتراجع عن إجابتي الأولى وأشرحُ أنِّي أحبُّ التحديق فيه. يُقرِّب وجهه من وجهي، ويقول إنَّ باستطاعتي أن أكمل النظر، فأزيحه برفق وأعود لأجلس على طرف السرير.

«تذكَّرتُ كيف تقيَّأتَ في حضني عندما التقينا في المرَّة الأولى»، أقول له فجأة. يُصحِّح لي ويقول إنَّه تقيَّأ على الرصيف. وعندما لا أردُّ على تعليقه، يحاول أن يستعين باهتماماته الأدبيَّة، فيصف ما حدث  بيننا ببدايات الروايات الرومانسية الكلاسيكية التي تبدأ من نقطة غير صائبة لغويًا أو حدثيًا وتندفع إلى الأمام.. أو إلى الوراء. «ما العلاقات إلا تقيؤات متبادلة»، يقول وهو يقترب. يحيطني بذراعه ويعتذر مني قائلًا إنَّه يعرف كيف أشعر هذه الأيام. يقبِّلني على كتفي، ويعود ليستلقي من جديد.

هذه المرّة، أجدني أنسحب نحوه. أقبِّله مغمضَ العينيْن، فلا أعرف إن كان ينظر فيَّ أم لا.

(مقطع من الرواية الجديدة)

Comments

comments