شهدَت الأيام القليلة الماضية محاولات السلطات اللبنانية طمر الفراغ، بعدما حضر مجددًا في رأس “الدولة” وعليه، مع امتناع إحدى مؤسّساتها الخاصة عن ستر النفايات، بوصفها شكلًا من أشكاله، لتحتلّ القمامة البلد، ويتوزّع المكبوت أمام الأعين، ويبين اللامرئي مرئياً، ويصير نظام التخلّص والطمر معطلاً.

انهارَت النظافة، ومعه الجسد الذي تنتجه، وربما لأنها تنتجه، قرف الجسد وانقبض. لكنّ موت الجسد محظور، فالسلطات لا تريد وقايته، لأنها تود الإبقاء على خوفه لتحكمه. والوقت المحكوم بالعوامل الطبيعية يساعد في تمكين مثل هذه السيطرة على أجساد لم تنقبض بعد.

الفراغ حيّ في لاوعي السلطات، فهو يظهر مع انكشاف حدود علاقاتها ببعضها، مدفوعًا إلى حده الأقصى بسبب فراغ موقع سلطة ما فوق السلطات وفيها. وتحت محاولات التحكم به، لا تريد السلطات أن تفعل شيئًا، لأنها ببساطة لا تقدر على فعل شيء. فعلاقات السلطات مع الفراغ، والمتأسّسة على الطمر والإخفاء، لا تسمح لها بالإنطلاق البنائي منه. وهي إن كانت- أو ظنّت أنها، قادرة على ذلك- ستذهب في النهاية إلى خيار دفنه حيًا تاركةً أسباب بروزه لتكرّر حدوثها خارج قبره، أي أنّ هذا الفراغ التأسيسي سيبقى كامنًا.

عندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع، وجدوا أنفسهم محاصرين بالفراغ من جهة، وبالسلطات غير المتمكّنة إلا من طردهم جميعًا -هم الخارجين إلى مواجهتها- من جهة أخرى. وهذا الحصار بيّن لهم الطريق المسدود في علاقتهم مع السلطات، والمتمظهر تباعًا في غياب أفعالها ولغوِ ردود أفعالها.

حاولت السلطات أن تصدّ تهمة اللغو عنها بأن رفعَت الجدران في الشوارع، لكنها بفعلتها هذه أكّدَت التهم بدلاً من نفيها. وبعدما كان المطلوب من الجدران أن تحميَ لغات السلطات المتآزرة، وأن تعزلها مرحليًا عن مقتحميها قبل العودة لإشراكهم فيها لحظة النهاية المتوقعة للاقتحام (على ما كان يحدث للتحرّكات النقابيّة والأهليّة والمدنيّة التي ابتلعَت في السابق)، أفضَت المحاولة هذه المرّة إلى استقرار اللغات وتوحيدها وإفراغها، وتحويلها بالفعل إلى لغو منكشف ومتوقع ومتقاعس عن المعنى الراهن.

كانت المفارقة أن توحّد لغات السلطات التي كانت تناكف بعضها في مراحل سبقت هذا الحراك/الخروج، وتحوّلها حائطًا، هو الذي كشف الفراغ القائم. وزادت المفارقة عندما جاء “تعميم” التهم من قبل الخارجين ليؤكّد هذا اللغو. بمعنى آخر، لقد أزال التعاون اللغوي السلطوي وهم التعويل على اختلاف الخطابات السياسية والاجتماعية والاقتصادية عند مختلف السلطات، ودفعها لإعلان المضمَر، لتتحوّل إلى سلطة واحدة موحّدة تواجه الخروج عليها.

قبالة حائط اللغو التعاوني هذا، عمد الخارجون إلى محاولة اكتشاف لغتهم الخاصة التي تنوّعَت بين الإثبات بالتفرقة لما هو مثبت (ولكنه غير معلن في المجال العام)، والإشارة بالجمع إلى ما هو مطمور (ما استفزّ أطرافًا أكثر من أطراف)، واستعادة البذاءة (الموجودة خفاءً، لكن المطمورة في الخطاب العام)، والحدس بالمستحيل (بلا وهم تحقيقه الآن)، وإعادة توظيف لغو السلطة نفسه لإنتاج لغة مناقضة منه تفضح عدم اتساق اللغو الأصلي وانكشافه.

لكنّ محاولات الاكتشاف هذه تخلّلها تبنٍّ للغاتٍ سابقةٍ على الخروج الشارعي، وهي لغات صارت بمرور الوقت وإرساء التعاونات السلطوية في الحكم، لغواً ينظر إلى الآن بوصفه الغابر من الأيام. ومنطق هذا الارتجاع اللغوي مخالف لفعل الخروج نفسه. إذ يشبه التقدم إلى الأمام، والتسابق معه عبر النظر إلى الخلف حصراً. وهو منطق يقوم أيضًا على الاختصار لا الإسهاب، والانتقاء لا التصويب في العام. فإذا كانت واحدة من محاولات هذا الخروج اللغوية الناجحة الأولى أنها عمّمَت التهم ضد السلطات وأجبرَتها أن تردّ بخطاب عام وموحّد، أتى الانتقاء الاتهامي ليقفز ظاهريًا فوق حائط اللغو وينتج لغته من خلفه.

ما هو واضح أن الحراك استطاع حتّى الآن أن يتجاوز هذه المحاولات الارتجاعية لخطاب ما قبل الخروج، ولو استمرّت هذه المحاولات حثيثةً ومحتميةً -كما السلطات وإعلامها- باللغو الوطني، وهو لغو كان يطمر الفراغ العام، تمامًا كما كان يطمر زمن ما قبل انكشافه. ويمكن الإشارة لهذه التجاوزات المتكرّرة بوصفها محاولات لاستكشاف القدرة، ورفعها من أدنى درجاتها. فإسقاط الحزن، وهو أدنى درجات القدرة وأعلى درجات السلطة، كان سمة أساسية تصف لحظة الخروج الأول، ويتأكّد هذا الإسقاط أكثر مع الدراية بتعقيدات السياسة والاجتماع والاقتصاد والاصطدام بها لا العكس. أما الحزن فهو تحديدًا الركون السلبي لهذه التعقيدات، والموافقة المتكرّرة على لغو السلطة.

وعلى عكس المسلك الحزني، جاء الخروج انهيارًا لتمثلات السلطة، فكان يلحق ببيان وحدتها وبالعلامة العنيفة التي كشفَته: الرائحة. وهذه المرّة كان الخروج دعوة للوقوع على الفراغ ذاته لكن بداعي تحريره من المؤسسات الدولتية وآلياتها (الطمر والحظر واللغو)، باعتماد عملية حسّيّة بامتياز: من شم التمثل الخائر إلى رؤيته، ثم السير والركض في طرقاته.

رمَت القوى الأمنية قنابلها الغازية على الخارجين كاستفهامات أجوبتها الخنق والإقصاء، وكانت وظيفة القنابل الوحيدة أن تعطّل الأسئلة. وعلى الرغم من القمع والتعطيل، وجد الجسد مهربه بأن ألف سبيل تعامله مع أعضائه بحسب ما يقتضيه سياق خروجه. فغطّت الأقمشة والكمامات وجوه الخارجين لا ليمنعوا الأمنيين من رصدها ومراقبتها فقط، بل ليمحوها أيضًا، وليصير تنفس الهواء والفراغ متاحاً.

كان الخارجون يمحون وجوههم ويتقدمون. ولم يكن المطلوب من القنابل الغازية أن تلجم الخارجين عن التقدّم، أو أن تدفعهم إلى الوراء فقط. كانت القنابل تُرمى لطرد الرائحة من الأنوف، وكي لا يتنشق الخارجون الفراغ فيدركون أنّ السلطة تمنعهم عن تنفسّه. ومرّة أخرى، خلق الجسد أسلوبه، فكان ما إن يشعر باقتراب قنبلة منه، حتى يعيد ردّها برجله، أو يحملها بيده ويقذفها باتجاه ملقيها.

أغمي على خارجين كثيرين نتيجة اقترابهم من بعضهم. كان الواحد منهم يسقط أرضاً، فيحمله الواقفون قربه إلى مساحة أكثر رحابة. وكانوا يقولون لمواكبيهم: “ابتعدوا.. دعوه يتنفس”، فيبتعد المواكبون بعد أن يدركوا أن الالتصاق غير مفيد، وأنّه إن كان يرادف الرغبة بالتوحّد وبالتحول جسداً واحداً، فإنه لا يستقيم إلا بكبت الاختلافات والتفردات والحضور. فالإغماء بهذا المعنى يشكّل أثرًا من آثار التوحّد، ليس حول العناوين والشعارات والغايات فحسب، بل حول الحراك وأساليبه وطريقه التي يسلكها إذ يتشكّل. ولهذا، فإنّ التوحيد الشارعي، إن حدث، سيؤدّي إلى طمر المغايرة، بالاتكاء على مقولات سلطويّة من نوع “الوحدة الوطنية” و”كلنا أخوة في الوطن” و”نحن شعب طيب، إلا أن السياسيين هم من دفعونا إلى التقاتل والتعارك”. فالشعب الذي صُنع بكبتِ وكبحِ إختلافاته، هو شعب مغمي عليه، ويقيم في غيبوبة لن يستيقظ منها إلا كي يموت، أو كي يظهر لنفسه ويتعرف عليها في مرآة الاحتراب.

وعلى منوال عبارة “ابتعدوا.. دعوه يتنفس”، لا يمكن البدء بالحديث عن احتمال صناعة شعب، إلا بكون الخروج سمته الأساس، وبإبراز اختلاف مكوّناته وصياغة تعدديته من دون تبني مقولة “الفسيفساء الوطنية”، وبلا الهجس في “مشترك” ضاغط وعصابي. إذ إنّ “المشترك”، والذي تمحور “العيش” حوله، قد صُنِع، أوّل ما صُنِع، بالطمر والحظر واللغو. وتحرير العيش منه يبدأ بالابتعاد عن الآخر، فلا يغشى على الأول ليتّهم غيره بالاندساس بغاية إستهلاك الهواء.

لقد أطلقت السلطة تهمة “الاندساس” لتصف الذي يذهبون بخروجهم إلى صراع مباشر مع قواها الأمنية. وبعد رواج المقولة، قرّر كثيرون أن يبحثوا عن أناس للصق التهمة بهم، فوجدوا ضالتهم في شباب الضواحي والأحياء البيروتية الفقيرة، فأعلنوا: “هؤلاء هم المندسون”، وأضافوا: “ونحن الحضاريون”. وسرعان ما روّجَت السلطات الإعلامية والمؤسساتية لثنائية “المظاهرة الحضارية” و”الشغب”، فأخذ البعض بها بدافع من خوف أو إحساس بالذنب.

إلا أن “الاندساس”، وبعيداً من كونه قد أطلِق كتهمة وصفيّة تمنع الخروج عبر “تثنيئه”، كان أيضًا قوننةً للتفرّق والتشظّي، وعاملَ جمع وتلاصق ووحدة، وهو بالتالي عودة إلى الإغماء والغيبوبة. ذلك أن السلطة تريد من الخارجين أن يبتعدوا عن موضوع بعينه هو “المندسون”، فلا يعود ابتعادهم عن بعضهم ليكون أول التنفّس والشروع بمغادرة الغيبوبة، بل يصير إبعاداً للـ”مندسين”، وتوحدًا ضدهم، فتتحوّل المسافة التي قد يأخذها المتظاهرون عن بعضهم تصدياً لأي حالة إغماء إلى مسافة سلبية وإبعادية، تحملهم إلى “وحدة حضارية” في مواجهة “مندسين”، لتعيد إنتاج الإغماء وتُدخل السلوكيات الدولتية، أي الإقصاء والإبعاد والإسكات، إلى مسالك الخروج.

وهذه الإغماء يعيد بدوره شلّ الجسد وتعطيل الحواس إذ يتحوّل الخارجون المعتمدون خطاب “الاندساس” إلى عضو واحد، يطرد الأعضاء الأخرى، لينكمش الجسد من جديد ويتجمّع ويقع في قبضة السلطة.

وبهذا المعنى فإنّ هذا الخطاب رمى إلى تركيز “الوحدة” وقوننة الابتعاد، كي يستدخل الخروج على السلطة، ويحوّله خروجًا إليها. ولقد اعتمدَته السلطة لتعطيل الرؤية التي صنعَت الخروج، وتحويلها إلى عين واحدة ترى في نزع القمصان عن الصدور إشارة إلى “اندساس” غير مرغوب به. ومع اعتمادهم الخطاب ذاته، بدا تباعًا أنّ بعض الخارجين يتعامل مع الشارع كملكية خاصة ناظرين إليه كمدخل لا كمخرج، ليقولوا: “هذا شارعنا، فارتدوا مثلنا، واحتجّوا مثلنا عندما تدخلوه”.

بفعلها هذا، كانت السلطة تقول للناس، من خرج منهم ومن لم يخرج، التالي:

“أنا لا أُطاق، لكن، قبل أن تعاينوا اللا محتمل، عاينوا المندسين حولكم. وقبل أن تفرزوني، تجمعوا وجمعوا أنفسكم. إياكم أن تروا وجودي الفظّ. إياكم أن تروا الفراغ الذي تفلّت منّي. إياكم أن تروا أنفسكم، وأن تروا أجسادكم. وأن تروا الآخرين. لا تروا إلا المندسين، واطردوهم على طريقتي”.

هذا ما رغبَت السلطة في فرضه على الناس. إما أن لا يروا، أو أن يروا المندسين فقط. وعندما لم يرضخ الخارجون لرغبتها، ضاعفَت من رمي قنابلها الغازية عليهم، ومن إطلاق الرصاص صوبهم، فأصابَت الشاب محمد قصير.

أرادَت السلطة أن تعلن، ومن دون مواربة، أنها تريد للأجساد أن تبقى مشلولة، وللنظر أن يرى ما تراه، وللّسان أن يتحدّث في خطاب تقرّره هي سلفًا. لكنّها كانت كلّما جسّت تكوّن الرأي والفعل اللذيْن تجدهما مستحيليْ الحدوث، تكشف عن شكلها، وعن وحدة معسكريْها، وتبيِّن جلافتها التي تسميها “هيبة”، وتقرّ بغبائها الذي تعتقده ذكاءً.

فبالنسبة إلى السلطة، الخارجون هم الأغبياء الذين رأوا غير ما تراه، ما يعني وجوب أن تعمل عماءها فيهم. لكنّ ما لا تراه السلطة، أو لا تريد أن تراه، لأنّ رؤيتها له هو إقرار بالفشل، أنّ الخارجين يحاولون رؤية اللامرئي، وشم المطمور، وإسقاط علاقات قوى الطمر والستر والحظر واللغو والإعماء.

الخارجون هم الراؤون للسلطة نفسها، الذين كلّما ابتعدوا عن بعضهم رأوا أكثر، وخرجوا أكثر، فتفرّق اتّحادهم وتوزّعوا ومارسوا تفرّداتهم وتشظّوا، ثمّ شرعوا ليصيغوا لا نهائيّة خروجهم. وتباعًا، كي لا ينتهي خروجهم، سيكون على الحراك أن يعود تكرارًا للوراء، كي يقفز من نفسه عن نفسه، من دون أن يهشّمها أو يحطّمها. أمّا التوقّف المرحليّ عن التظاهر فلن يعني نهاية الصراع ولا لجم التفكير في المستحيل، بل أنه فرصة لرؤية أوضح، ونعاساً يقظاً يرى عبره الراؤون أكثر، وتتضعضع السلطة في إثره أكثر فأكثر.

روجيه عوطة – هلال شومان

نشر  في المدن في ٢ أوكتوبر ٢٠١٥

Comments

comments