كانت الأشياء تتداعى من نفسها بلا مفاجآت، ورغم معرفتنا بما سيحدث لدرجة سهولة توقع الهيئة التي سيستقر عليها، لم نعرف إلا أن ننتظر.

في هذا كلّه، كانت مأساتنا: انتظار المتوقَّع. اللعبة التي كانت تشعرنا في البدء أننا على حق، وأننا عظيمو التفكير، لم تلبث أن صارت سبب انكماشنا. كنا نحضن أنفسنا مثل أجنَّة لم تولد، فنبقى في أسرَّتنا لساعات عائدين للشكل الذي اتخذناه قبل خروجنا الأول. نغيِّر وضعية المخدة الأولى، ونأتي بمخدة ثانية، ونطمر بعدها رؤوسنا تحت المخدتين، ثمَّ ننتظر أن يذهب هذا كله. لكنه الشعور كان يبقى حيث هو، ويتمدّد حتى نشعر به في آلام المفاصل، وفي حركة معوية غريبة، وفي شعور غريب للأكل أو الصيام المتواصلين، وفي انسحاق أرواحنا. كنا نرى نورًا من وراء ستارة، فنبقى في مكاننا، ثمَّ لا يلبث النهار أن ينقضي، وتحلّ العتمة. نسمع أصواتًا من الخارج، ولا نتحمس لمعرفة أصحابها أو أسبابها. ننام ونستيقظ ونعيد تعديل وضعيات المخدات. الحمام صديقنا، ندخله على عجل، ونخرج منه على عجل، متفادين النظر في المرآة. وبعد ساعات لا نحصيها، نتقوقع تحت رذاذ ماء ساخن نودُّ ألا ينتهي. ثمَّ نخرج في ساعات غريبة إلى الشارع، أو نمشي، أو نقود سيّاراتنا إلى لا مكان. «الأوتوسترادات صديقتنا»، نؤمن بالفكرة حتى نظنَّ أنَّ الحداثة صنعت هذه الطرق لتشعرنا بأن الأشياء المتداعية تذهب حتمًا إلى مكان ما، وأنَّ كلَّ هذا ضروري الحدوث. وإذ نسوق، ننهمك لا شعوريًا في أشياء تعلمناها. ننظر في المرآة الخلفية قبل الضغط على المكابح، وفي المرآة الجانبية قبل الانتقال إلى مسار آخر، وفي بالنا أن هذه أفكار بديلة ضرورية كي لا يعاودنا ذلك الشعور. «هذا صُنِع من أجلنا»، نفكِّر. كما المسلسل الديستوبي الذي نشاهده من على الكنبة، يتتابع حلقة بعد حلقة، ويرينا الأشياء في خرابها، ويقول لنا إنَّ الحزن الذي يمسك فينا لا يكفي، وإنَّنا نحتاج إلى التأكد أنَّ بالإمكان تصريفه في أعمال إبداعية. «هذا صُنِع لأجلنا»، وهناك بالفعل من يكرِّر استثمار ملايينه في صناعة أعمال تفصِّل لنا أنَّ الأشياء ستتعقد وهي في طريقها للخراب، وأنَّ استمرار الحياة سيصير تحديًا يوميًا، وعلينا الاستمتاع عند رؤية هذا الأعمال، والتخفُّف من أحزاننا، لأنَّ ما هو أسوأ قابل دائمًا للحدوث.

كانت الأشياء تتداعى من نفسها بلا مفاجآت، وكنا لا نعرف أن نتوقف عن الانتظار، فنقنع أنفسنا أننا لا ننتظر المتوقَّع، بل ما سيكسر تتابعه، ويوقف كل الأشياء التي عهدنا حدوثها. كنا نمضي بلا خيارات كثيرة وسط سيل ضحك الواثقين الذي لا ينتهي.

Comments

comments