الجلسة عند أدريان ظلَّت صامتة لما يقرب ربع ساعة بعد أن أخبرته بمرض «أبي». قال أدريان إنَّ علينا تفصيل علاقتي به أكثر. رمى جملته وسكت. توًا، وجدتُ نفسي مهتمًا بتفقُّد المكان. هذه المرَّة الأولى، منذ قدومي لهذه العيادة التي يخطر لي أن أقوم بتفقد محتواها. لاحظ أدريان عدم تجاوبي، وانهماكي بتفحُّص أشياء لا أهتمُّ لها عادةً، فطلب مني أن أغمض عينيَّ وأن أتخيَّل نفسي متواجدًا في مكان يشعرني بالراحة.

رددتُ أن ليس هناك مكانًا كهذا.

«اخلق مكانًا متخيَّلًا»، كرَّر.

«ماذا ترى»، سألني.

أجبته:

«أراني صغيرًا. ربما أبلغ من العمر ست أو سبع سنوات. أعرف ذلك لأنِّي واقف أمام المرآة. مرآة تمتد من أسفل الجدار إلى أعلاه بشكل طولي، عرضها لا يتعدى الـ٦٠ سنتمترًا، وأنا أنظر إلى نفسي فيها. لسبب ما، أنهمك بالتأكد أنِّي أنا الذي يظهر في المرآة. كأنَّ هذا التأكيد يقول لي إنَّ أتخيله يخضع للمنطق. وبعد أن أحسم الأمر، أنِّي أنا الذي يظهرفي المرآة، أبتسم وأنصرف متجولًا في البيت الغريب. وعلى الرغم من عدم معرفتي السابقة بالمكان، فإنَّ إحساسًا ما يطبق علي: لستُ في برلين ولا ألمانيا. بعد خطوات قليلة أصير في المطبخ. أرى امرأة تتحرك بين الطاولة والغاز، ويبدو أنَّها تحضر الفطور. أرفع رأسي لكنِّي لا أستطيع رؤية وجهها. الرؤية مشوَّشة ونظري لا يبلغ أكثر من خصرها. أنا صغير وهي شاهقة. أشد ذيل ثوبها، لعلي أقرِّبها إلي، فتقول لي بلغة لا أفهمها – لكني أفهمها في مخيالي ولا تسألني كيف- أنّها «مشغولة بتحضير الشاي»، وأنَّ «تحضير الشاي مهم للغاية». ما إن تنهي جملتها، أسمع صفارة الإبريق، فأترك الثوب والمطبخ ويغمرني إحساس عارم بالفرح، وأصير أركض بين الغرف وأنا واثق أنِّي أعرف الطريق. ثمَّ أصل إلى باب خشبي بقبضة يد نحاسية. أحاول أن أصل للقبضة لكني لا أستطيع، لكنَّ الباب يُفتَح فجأة، كأنه فهم مرادي. منه أخرج، وما إن أقف في الخارج حتى يُغلَق الباب ورائي. أجد نفسي وسط أشجار عالية، وعلى الأرض تراب وحشائش وأكواز صنوبر. أسمع أصوات العصافير من دون أن أراها. ألحق دربًا محفورة في الأرض يبدو أنَّ أحدًا سكلها قبلي. أبقى ماشيًا لدقائق بشكل حثيث كأنّي أعرف إلى أين أصل، ثمَّ أجد نفسي عند نهاية التلة. من هناك أرى الوادي، أرى المدينة، وفوقها غمام أبيض في سماء زرقاء أظنَّ أنها تختلف في زرقتها عن السماء التي فوقي، وما إن أرفع نظري للتأكد من ظني، حتّى يتغيًّر المكان، وتختفي الألوان ويختفي المكان كله. أُشفَط إلى مكان بلونين، أبيض وأسود، وأجدني في الغرفة، على الكنبة، هنا، وها أنا أمامك يا أدريان»..

نظر أدريان إليَّ بشكل غريب، بينما مضيتُ أسأل نفسي بصوت عالٍ: ما هو هذا المكان؟ ومن هؤلاء الذي رأيتهم؟ ومن فتح لي الباب؟ وما هي تلك المدينة؟ ولماذا خلق خيالي شيئًا لا أفهمه؟

سعل أدريان. أعرفه. يفعل ذلك عندما لا يودُّ الإجابة وعندما يتحضَّر للقفز إلى موضوع آخر. سألني كيف أشعر الآن، فأجبته أني أشعر بالراحة.

«جيد.. فلنعد الآن للحديث عن أبيك»، قال.

Comments

comments